سلسلة كتاب العلم بقلم الأستاذ أبي زياد النحوي
⚡سلسلة كتاب العلم
بقلم الأستاذ / أبي زياد النحوي
(1) التفقه في الدين ...
في الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال « من يرد الله به خيرا يفقه في الدين » ..
هذا نص صريح أن الخير كله يحصل بالفقه في الدين ، و الحديث يدل بمفهومه على أن من حرمه الله الفقه في الدين فقد حرمه الخير كله ..
. و هنا قال « يفقه في الدين » و لم يقل « يعلمه في الدين » لأن العلم ربما لازمته الخشية و ربما لم تلازمه ، فيصير عنها عاري ، فيصدق عليه قوله صلي الله عليه وسلم « أول من تسعر بهم النار ثلاثة : عالم و قارئ للقرءان و شهيد » رواه مسلم ، فذكر هنا « عالم » لأن علمه تجرد من الخشية ، و لم يقل « فقيه » إذ الفقيه في منأى عن هذا ، و إلى ذلك أشار ابن تيمية ..
. ولذلك نقول : هناك فرق بين العلم و الفقه ، لأن العلم يتعلق بالعقل ، و الفقه يتعلق بالقلب ، و قد دل عليه قوله تعالى « لهم قلوب لا يفقهون بها » الأعراف ..
و قال بعض السلف : « الفقه نور يقذفه الله في قلب العبد » ، و قال ابن حجر في الفتح : « الفقه تأثر القلب بما يلقى عليه من خطاب الشارع » ، والمقصود بذلك : بيان أن العلم المجرد لا يحصل به خير للعبد ، بل لابد أن يفقه القلب ما أدركه العقل ، فتنشأ في القلب خشية لله سبحانه و محبة له و تعظيم لجنابه تعالى ، و أما العلم المتعري عن كل ذلك فهو حجة يعذب الله بها صاحب العلم ...
. الخلاصة :
١- التحريض على التفقه في الدين ..
٢- أن الخير كله في التفقه في الدين ..
٣- هناك فرق بين العلم و الفقه ...
٤- العلم إدراك بالعقل ، و الفقه تأثر بالقلب ...
(2) طلب العلم فريضة ...
روى الإمام أحمد في كتاب العلل بإسناد حسن عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « طلب العلم فريضة على كل مسلم » ..
. و معناه : بيان فرضية و وجوب طلب العلم على كل مسلم ، بحيث لا يجوز لأحد من المسلمين أن يهجر طلب العلم و يهمله ، و قوله « فريضة » يعني : فعيلة بمعني مفعولة ، أي : مفروضة ، و هي مأخوذة من مصدرها و هو الفرض ، و مدار الكلمة يدل علي الإلزام و الحتم المانع من التفلت و عدم امتثال الأمر ...
. و مسألة الباب هي : ماهو العلم الذي أوجبته و فرضته الشريعة علي كل مسلم ، بحيث لا يحل إهمال طلبه لأي أحد مهما كان ؟ و الجواب : هو : « العلم الذي يفوت الإسلام بفواته » بحيث لا نتصور قيام الدين إلا به ، و لذلك قال الإمام أحمد : يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه » السنة لعبدالله بن أحمد ...
. و ما هو العلم الذي لا يقوم الدين إلا به ؟ و الجواب : هو العلم بأركان الإسلام الخمسة التي وردت في حديث ابن عمر الذي رواه مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - قال « بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و صوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا »..
. فيبدأ المسلم طلب العلم بمعنى كلمة التوحيد و مادلت عليه من إثبات العبادة لله وحده ، و يدرس نواقض الإسلام و أعظمها الإشراك بالله في عبادته ، و يتعلم الصلاة و صفتها و أركانها و نواقضها ، و يتعلم الزكاة المفروضة عليه ، و يتعلم كيف يصوم كما صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و يتعلم كيف يحج إن يسر الله له فريضة الحج ...
. و لا عذر لأحد من الخلق في الجهل بهذه الأمور البتة ، فمن جهل التوحيد كفر بالكتاب والسنة و الإجماع ، و لا نلتفت لقول المرجئة و الجهمية ، الذين يحكمون بإسلام المشركين من عباد القبور و الصوفية ، فهؤلاء لم يعرفوا من الإسلام ما عرفه أبولهب و أبو جهل ..
. و من أنكر ركنا من هذه الأركان فقد خرج من الملة ، و بعض هذه الأركان يكفر تاركها و إن كان مقرا بها كالصلاة ، وهذا محله في كتب الفقه ...
(3) الغاية من طلب العلم ...
- طلب العلم له غاية و هدف في شريعة الله سبحانه ، فإن تجرد العلم من هذه الغايات ، فإنه يكون ظاهرة فكرية لا علما شرعيا ، و أهم هذه الغايات ثلاث :أولا : تحقيق الغاية من الوجود الإنساني ...
- فالغاية من وجود الإنسان أن يعبد الله وحده بلا شريك ، كما قال تعالي « و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون » سورة الذاريات ، و العبادة لها صفة شرعية ، وهذه الصفة نطلبها في الكتاب و السنة ، حينئذ لابد من العلم لمعرفة صفة العبادة التي هي الحكمة من وجود الإنسان ...
ثانيا : القيام بمهمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ..
فقد جاءت نصوص الشريعة تبين فرضية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و لابد أن يكون الآمر عالما بما يأمر به ، و أن يكون الناهي عالما بما ينهى عنه ، و في رسائل السجن لابن تيمية ذكر هذه المسألة و شدد عليها ..
ثالثا : السعي لإقامة دولة الإسلام ...
و دولة الإسلام أحوج ما تكون لطلاب العلم الراسخين ، يبينون للناس وجوب إقامة سلطان الله في الأرض ، و إعلاء راية تجمع الناس تحت ظلها ، تكون ملاذا لكل مسلم مستضعف لا يتمكن من إظهار دينه في ديار الكفر ، و يدفعون شبهات الطاعنين و الحاقدين ...
- و قد قامت راية هذه الدولة خالصة في العراق ، ثم توسعت في الشام و غيرها من بلاد المسلمين ، و هاهي تحتاج جهود طلاب العلم ، يبينون للناس عقيدتها و منهجها ، و يردون عادية المرجفين و علماء السوء ، و أذناب الفصائل و الجبهات ، و هذا لا يتحقق إلا بالعلم الشرعي ، فالحاصل هذه أهم غايات الطلب ..
(4) العلم قسمان : فرض عين ، و فرض كفاية ..
فأما فرض العين : فالنظر فيه يكون باعتبار الشخص عينه و نفسه وذاته ، فلا يسع أحدا من الخلق أن يجهل ما جعلت الشريعة العلم به فرضا عينيا ، و من ذلك العلم بأركان الإسلام الخمسة ، فإن ذلك فرض على كل واحد من الخلق، فالنظر هنا يكون باعتبار كل شخص بعينه ..وأما فرض الكفاية: فهو كل علم طلبت الشريعة إيجاده ، و لكنها لم تعين أحدا من الناس يجب عليه إيجاده ، فمتى قام به البعض سقط وجوب إيجاده عن الأمة كلها ، فالنظر هنا يكون باعتبار الفعل ذاته، لا باعتبار الأشخاص ، و من ذلك علوم اللغة و الفقه و الحديث و التفسير و الطب و الهندسة ، فإن الشريعة فرضت علي المسلمين إيجادها لحفظ الدين و الدنيا ، فإن قام فريق من الأمة بإيجادها ، فقد سقط الوجوب عن الجميع ...
لكن التعبير بلفظ الكفاية يدل على أن المطلوب هو الوصول لحالة الاستيعاب الكامل ، بحيث يكون عدد العلماء بفروض الكفايات يكفي للنهوض بالأمة و الارتفاع بها في أمور الدين و الدنيا ...
(5) التوازن في طلب العلم ..
- العلم له مشارب متعددة ، و النفس تحتاج إليها جميعها ، ليحدث التوزان في الطلب و تكتمل الملكة العلمية ...- و أهم هذه المشارب ما يلي :
(1)المشرب الإيماني : و هو دراسة ما يتعلق بقضية اليوم الآخر ، بداية من الموت و حياة البرزخ ، ثم البعث و النشور و الحساب والجزاء ، و دار النعيم ، و دار الجحيم ، فإن هذا المشرب الإيماني هو قاعدة الانطلاق لكل مسلم ، و هو مفتاح القلوب ، وسبيل استقامتها ، و قد مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنوات الدعوة الأولى يغرس في أصحابه هذه الركيزة الكبرى ، و يسقيهم من ماء هذه العين التي ما شرب منها عبد إلا استقام أمره و أفلح ...
- و كثير من طلاب العلم ينشغلون بدراسة علوم الآلة كالنحو و الأصول وغيرها ، وهم أجهل الناس بأمور الموت و الآخرة ، و لو طلب منهم عامي تذكرة أو عظة فإنهم يعجزون عن ذلك ، و قد برز في هذا الباب أهل البدع و الضلال من الصوفية المنحرفين ، فملكوا قلوب عوام المسلمين و استدرجوهم إلى مهاوي الضلال ....
- فالواجب أن يعتني طلاب العلم بهذا المشرب ، و أن يستزيدوا منه قدر الإمكان ، فإنه سبيل الربانية ...
(2) المشرب الشرعي : و هذا يشمل علوم الشريعة أصولا وفروعا و مقدمات و متممات ، فيجب أن يأخذ الطالب من كل هذه العلوم حظا وافرا ، يبدأ بالأولى ، و لا يتعجل و يتسرع ، و لايقدم المهم على الأهم ، و بعض الطلاب يعتني بعلوم الآلة كالنحو و التصريف ،و لا يكاد يحفظ سورة من كتاب الله ؟! هذا ليس بطالب علم ، هذا مفلس ، فالواجب الاهتمام بالأصلين الكبيرين ، الكتاب و السنة ، حفظا و تدبرا ثم ما يليهما أهمية ...
(3) المشرب الفكري : لا ينبغي لطالب العلم أن يكون بمعزل عن واقع أمته ، و واقع الأمة يعج بالقاذورات الفكرية كالعلمانية و الليبرالية و الديموقراطية و غير ذلك من زبالات القوم ...
فيجب أن نعتني بهذا الجانب و ندركه و نقف على حقيقته، حتى نستبين سبيل المجرمين ،و نحمي الشريعة من هذه الهجمات و نصون عقول المسلمين عنها ...
(4)المشرب الدعوي : كيف تصل بعلمك إلى قلوب الناس ؟ كيف تأخذ بأيديهم إلى الله سبحانه ؟ كيف تخطب في الناس ؟ كيف تشرح متنا علميا ؟ كيف تكتب مقالا ؟ تساؤلات كثيرة تحتاج جوابا ، و إلا صار الطالب قرطاس علم لا قيمة له ...
(6) علم معاملة العبد لربه سبحانه ...
هو علم أحوال القلوب و مقامات الإيمان و التفتيش في دقائق النفس و آفاتها و أمراضها ، و هذا هو علم السلف الصالح الذي سبقوا به من سواهم ، و به ارتفعت رتبهم و منازلهم ، و بتحقيقه اشتهر ذكرهم في الآفاق ..و قد انمحت معالم هذا العلم في زماننا ، و هجره الشيوخ و الطلاب ،و صار غاية الطلب هو علوم الألات و الوسائل ، فتجد طلاب العلم عاكفين على كتب النحو و الأصول ، باذلين فيها أعمارهم ، و الأصل خلاف ذلك ، بل البذل يكون ابتداء في إصلاح القلوب ، و التفتيش في آفاتها ، و معالجة أمراضها ..
و اعلم أيها الطالب أن العلم نور الله تعالي ، و أنوار الإله لا تتجلى لأصحاب القلوب المريضة ...
فلذلك وجب أن تنصرف الهمم لطلب هذا العلم الشريف ، لتنصلح القلوب ، و تصير مؤهلة لنور الشريعة ...
(7) العلم بالتلقي و السماع لا بالقراءة ...
فأول منازل الطلب سماع أهل العلم الراسخين فيه ، الذين ضبطوا أصوله و فروعه ، و أما القراءة المجردة عن السماع فليست علما ، بل هي ثقافة عامة ، و الدين لا يقوم من خلال الثقافات التي تتحصل بالقراءة ...و أنت إذا سمعت العلم فإنك تختصر الوقت و الجهد ، فما تدركه بالسماع في سنة ، تدركه بالقراءة في سنوات ، مع فرق الضبط و الرسوخ الذين يشتمل عليهما السماع .
و لذلك نقول : السماع واجب لا مفر منه ، و إنما نضبط العلم بالسماع ، نضبط أصوله و نتصور مسائله بالسماع ، و قد يقول قائل : ما هو حد السماع الأقلي ؟ والجواب : أقل السماع في فنون الشريعة كتابان ، فتسمع شرحا لكتاب مبتدئ ، تتصور فيه المسائل ، و تضبط الأسماء و المسميات ، و ترتب مسائل العلم و أبوابه و فصوله ، ثم تسمع شرحا لكتاب أكثر توسعا ، فتتمكن المعلومة من نفسك و تستقر فيها ...
فإذا أردت القراءة بعد ذلك فلا بأس ، لأنك حينئذ تقرأ على أساس متين ...
و هل يشترط في السماع ملازمة الشيوخ ؟ أم يكفي سماع أشرطة العلم ؟ و الجواب : الصحيح أنه يكفي سماع الأشرطة ، لكن إن تمكن الطالب من ملازمة الشيخ فهذا هو الأصل و الأفضل و الأحسن ، وكان السلف يلازمون العلماء فيتعملون منهم الأدب و العلم ، المهم أن نحرص على السماع لأنه الأصل في التلقي و التعلم ....
انتهى بفضل الله
بقلم أخيكم أبي زياد النحوي
يونيو ٢٠١٦
تعليقات
إرسال تعليق