التفريغ الصوتي لتعليق أبي زياد النحوي على نقاية السيوطي في أصول الفقه .

التفريغ الصوتي لتعليق أبي زياد النحوي
على نقاية السيوطي في أصول الفقه .


الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد ،،

فقد بدأنا بفضل الله تعالى دورة علمية ميّسرة مع بعض الإخوة الأفاضل واخترنا كتاب النُّقاية الذي كتبه السيوطي ، النقاية جمع فيه السيوطي أربعة عشر متنا منه ما يتعلق بعلوم الآلة ومنها ما يتعلق بعلوم الغاية ...
بدأها بكتاب أصول الفقه واخترنا عليه شرحا من ثلاث محاضرات للشيخ عبد الكريم الخضير ، وهذا الشرح يعني يتناسب مع هذه الرسالة من حيث مستوى الشرح وحجم المعلومة فهو متناسب مع هذا المتن المختصر ، لكن هناك بعض الصعوبات في هذه الرسالة لم تتضح في شرح الشيخ الخضير ، فلذلك رأيت أن أضع بعض التعليقات من باب تتميم الفائدة ومن باب التيسير على إخواننا حتى نخرج من هذه الرسالة المختصرة  بفائدة علمية مرضية للجميع بإذن الله تعالى ...

التعليق الأول :


الكتاب والسنة مشحونان بجملة من الأحكام التي تتعلق بأفعال المكلفين ، والمقصود بالمكلف هو كل بالغ عاقل ...
هذه الأحكام منها ما هو واجب ومستحب ومنها ما هو حرام ومكروه ومنها ما هو مباح ، كيف نصل إلى معرفة هذه الأحكام واستخراجها من الكتاب والسنة ؟ هل بمجرد النظر يعني هل بمجرد النظر في الكتاب والسنة يمكن لأي أحد أن يتعرف على هذه الأحكام أم أن هناك أصولا وقواعد لابد من استعمالها حتى نصل إلى معرفة هذه الأحكام الخمسة ؟ لاشك أنه الثاني ، يعني لا شك أن الإنسان لا يستطيع بنظره المجرد أن يصل ويتعرف على هذه الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده ، يعني كيف يصل الإنسان إلى الواجبات ؟ وكيف يعرف المحرمات ؟ والمستحبات أو المكروهات ؟ ، لا يمكن أبدا أن تكون هذه المعرفة مبنية على النظر المجرد ، إذن لابد من قواعد وأصول يستصحبها الناظر في الكتاب والسنة حتى يتمكن من خلالها من الوصول إلى هذه الأحكام التكليفية الخمسة (الواجب ، المستحب ، الحرام ، المكروه ، المباح) ...
لذلك العلماء وضعوا علما قالوا عنه "أصول الفقه" ، والعنوان نفسه يُشعر بأن الفقه له أصول قائم عليها لايتمكن الإنسان من معرفة الأحكام الفقهية التي تسكن  في الكتاب والسنة إلا من خلال هذه الأصول ، إذن لو أردنا أن نضع تصورا عاما عن علم أصول الفقه نقول : هو مجموعة من الأسس والقواعد التي نتمكن من خلالها من الوصول إلى معرفة حكم الله تعالى في الكتاب والسنة سواء كان هذا الحكم واجبا أو مستحبا أو محرما أو مكروها أو مباحا ...
-الإمام السيوطي في كتاب النقاية لمّا عرّف أصول الفقه عرّفه بتعريف مجمل قال : علم الأصول الفقه ثم قال : أدلته الإجمالية ، يعني هذا العلم يبحث في الأدلة الإجمالية ، ما هي الأدلة الإجمالية ؟ هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وهذه المصادر الأربعة مُجمع عليها في الجملة ، إلا أن الظاهرية لهم كلام في القياس ، لكن عامة أهل العلم من الأصوليين وغيرهم متفقون على أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس هي مصادر التشريع العام في الشريعة الإسلامية ، وهناك مصادر أخرى مختلف فيها كقول الصحابي والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف وغير ذلك من الأحكام المختلف عليها ...
قال : (علم أصول الفقه : أدلته الإجمالية) يعني هذا العلم يبحث في الأدلة الإجمالية أي يبحث في حجّية الكتاب والسنة ، يبحث في حجّية الٱجماع ، يبحث في حجّية القياس ، ثم بعد ذلك يتطرق لبعض التفاصيل التي تخص هذه الأدلة الإجمالية ، فمثلا يتحدث هذا العلم عن قضية الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل ، وفي نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ الكتاب بالسنة والعكس وغير ذلك ...
تحدث عن الٱجماع ، ماهو الٱجماع؟ وماهي شروطه ؟ وكيف نصل إلى الإجماع ؟ وغير ذلك ...
ثم قال : (وكيفية الإستدلال) ، يعني كيف يتعامل المستدل وهو المجتهد يعني الذي ينظر في الكتاب والسنة ليستخرج الأحكام ؟ كيف يتعامل مع النص الشرعي ؟ كيف ينظر في الآية ، كيف ينظر في الحديث ؟ كيف ينظر فيهما ثم يستخرج منهما الحكم الشرعي بالوجوب أو الاستحباب أو الحرمة أو الكراهة أو الإباحة ؟ ...
إذن : من خلال هذا التعريف نقول : أن علم أصول الفقه هو مجموعة من القواعد والأسس التي يحتاج إليها الناظر في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- حتى يتمكن من استخراج حكم الله تعالى بالوجوب أو الاستحباب أو الحرمة أو الكراهة أو الإباحة ...
هذا الكلام يعني أن النظر في الكتاب والسنة ليس مستباحا لأي أحد ، يعني لا يجوز لأي أحد من الناس أن يأتي ويقول سأستخرج الأحكام الشرعية ، لا هذا غير ممكن ، لابد أن هذا الذي يريد النظر قد اجتمعت عنده الآلة يعني اجتمعت عنده الشروط التي يحل له بها أن ينظر في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يعني  ليستخرج منها الأحكام الشرعية ...
هنا قال : (علم أصول الفقه أدلته الإجمالية) عرفنا ما هي الأدلة الإجمالية يعني علم يبحث في الأدلة الإجمالية -الكتاب والسنة والإجماع والقياس- ، قال : (وكيفية الإستدلال) يعني كيف نتعامل مع هذه الأدلة لنستخرج منها الأحكام الشرعية ، قال : (وحال المستدل) ، المستدل هو المجتهد أي الشخص الذي يأتي وينظر في الدليل ليستخرج منه الحكم الشرعي ، المستدل هذا هل كل أحد يصح أن يكون مستدلا؟ الجواب : لا ، لابد لمن أراد أن يكون مستدلا يعني له حق النظر في الكتاب والسنة أن تجتمع فيه الشروط التي تكلم العلماء عنها واشترطوها في حال المستدل ...

التعليق الثاني :


أصول الفقه علم ينحصر في أربعة أبواب الأحكام الشرعية والأدلة الإجمالية ودلالات الألفاظ على معانيها والاجتهاد والتقليد ، لو أردنا أن نلقي الضوء على الباب الأول وهو باب الأحكام الشرعية نقول : الأحكام جمع حكم والحكم عند الأصوليين هو « خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المتكلّفين سواء كان طلبا أو تخييرا أو وضعا » خطاب الله يعني كلامه ، وكلام الله عز وجل هو القرءان الذي نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ، وهل يدخل في خطاب الله تعالى السنة ؟ الجواب : نعم تدخل السنة في خطاب الله تعالى ، لأن الله تعالى قال في شأنها {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ، فالسنة موحى بها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إذن هي تدخل في خطاب الله تعالى ، إذن خطاب الله يمثله القرءان والسنة ...
المتعلق بأفعال المكلفين ، المكلف هو كل بالغ عاقل يدخل في هذا الذكر والأنثى والحر والعبد ، هذا الخطاب الذي يتوجه إلينا من الله عز وجل قد يكون على جهة الطلب والمراد بالطلب أي طلب إيجاد فعل أو طلب ترك فعل ، وطلب الإيجاد قد يكون على جهة الإلزام أو لا ، يعني المكلف قد يكون ملزما بإيجاد الفعل وقد يكون غير ملزم،  فإذا كان هذا الطلب على جهة الإلزام فهذا هو الواجب ، وإذا كان الطلب على غير جهة الإلزام فهذا هو المستحب ، وقد يكون الطلب طلب ترك يعني أن يكون المكلف مطالبا بترك فعل ، إذا كانت المطالبة بالترك على جهة الإلزام فهذا هو الحرام ، وإذا كانت المطالبة بترك الفعل على غير جهة الإلزام فهذا هو المكروه ، إذن اجتمع عندنا الآن أربعة أحكام (الواجب ، المستحب ، الحرام ، المكروه) ...
وقد يكون الخطاب الذي يتوجه من الله تعالى إلى عباده على جهة التخيير ، التخيير يعني أن يكون  الإنسان مخير بين فعل الشيءوتركه يعني ليس ملزما بالفعل وليس ملزما بالترك هو مخير يفعل ما شاء أو يترك هذا شأنه فهذا هو المباح ..
هذه الأحكام الخمسة (الواجب ، المستحب ، الحرام ، المكروه ، المباح) تسمى الأحكام الشرعية ، وقد يكون خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الوضع وهذه هي الأحكام الوضعية ، الأحكام الوضعية هي أحكام جعلها الله تعالى علامة على الصحة والبطلان ، يعني صحة الشئ أو بطلانه وقد يعبر عن الباطل بالفاسد ، ويدخل فيها السبب والشرط والمانع ،
إذن نستطيع من خلال هذا الكلام أن نقول : إن كتاب الأحكام الشرعية فيه فصلان ، فصل يعنون له بالأحكام التكليفية وهي خمسة (الواجب ، المستحب ، الحرام ، المكروه ، المباح) ، والفصل الثاني الأحكام الوضعية وهي الصحيح والباطل والشرط والسبب والمانع ...

التعليق الثالث :


على ضوء الكلام الذي قلناه نستطيع أن نقول إن كتاب الأحكام الشرعية ينحصر في فصلين ، الأحكام التكليفية الخمسة (الواجب، المستحب ، الحرام ، المكروه ، المباح) ، والفصل الثاني الأحكام الوضعية كالصحيح والباطل والسبب والشرط والمانع ، إذن هما فصلان يجتمع بهما باب الأحكام الشرعية ، طبعا تفاصيل هذه المسائل ذكرها الدكتور عبد الكريم الخضير في شرح هذا الجزء من النقاية ...
لكن الذي أريد أن أنبه عليه في ختام حديثي في كتاب الأحكام الشرعية ، أن الأحكام التكليفية الخمسة في مقدور كل مكلف أن يمتثلها ، يعني قول الله تعالى : {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} في مقدورك أنت كمكلف أن تلتزم بالصلاة وتأتي بها على الصفة الشرعية التي وردت في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- القولية والعملية ، وكذلك أيضا في مقدورك الترك ولذلك الناس منهم من يصلي ومنهم من لا يصلي ، قول الله تعالى {ولا تقربوا الزنا} هذا مثال للحرام ، في مقدور الإنسان أن يجتنب الزنا و لا يقربه وفي مقدوره أن يقع في الزنى - أعاذنا الله -  ، إذن الأحكام التكليفية الخمسة هذه في مقدور كل مكلف أن يمتثلها ويأتي بها وأن لا يأتي بها وهذا بخلاف الأحكام الوضعية ، الأحكام الوضعية ليست في مقدور المكلف أن يمثلها ولا أن يأتي بها ، هي شئ خارج عن قدرته ، لأنها من وضع الشارع يعني من تصرفه ، فمثلا علامة البلوغ عند الفتاة هي الحيض ، الفتاة ليس لها دخل في الحيض يعني متى تحيض وكيف تحيض ليس لها دخل في ذلك ، لكن هي بلغت لما رأت دم الحيض هذا من الأحكام الوضعية ...
بهذا نكون قد أجملنا الكلام في باب الأحكام الشرعية ...

التعليق الرابع :


أدلة الأحكام أو الأدلة الإجمالية هذا هو الباب الثاني من علم أصول الفقه ، والأدلة جمع دليل ، والدليل هو المرشد المطلوب ، وما هو المطلوب الذي يُراد الإرشاد إليه نقول المطلوب هو معرفة حكم الله تعالى الشرعي سواء كان هذا الحكم حكما شرعيا تكليفيا كالواجب والمستحب والحرام والمكروه والمباح ، أو كان حكما شرعيا وضعيا كالصحيح والفاسد والسبب والشرط والمانع ، هذا هو المطلوب الذي نسعى إلى أن نُرشد إليه ، أين نجد هذا المطلوب ؟ نقول : نجده في الأدلة الإجمالية التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ...
إذن الأدلة الإجمالية أو أدلة الأحكام هي محل البحث عن الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية ، أدلة الأحكام أو الأدلة الإجمالية تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
قسم أجمعت الأمة كلها على أنه من مصادر التشريع بحيث لا ينازع غي ذلك مسلم وهذا القسم هو الكتاب والسنة ، يعني لا نزاع بين أمة الإسلام في أن كتاب الله عز وجل وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- كلاهما من مصادر التشريع الذي يُعتمد عليهما في معرفة الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية ...
والقسم الثاني ما اتفق عليه جماهير أهل العلم ، اتفقوا على أن الإجماع والقياس من مصادر التشريع وقد نازعوا الظاهرية في القياس ، لكن هذا النزاع ليس معتبرا لأن أهل العلم الذين يُعوّل عليهم قد اعتبروا القياس من مصادر التشريع مع الكتاب والسنة ...
والقسم الثالث ما اختلف فيه العلماء وهو قول الصحابي ، شرع من قبلنا ، استصحاب العدم ، استصحاب الحكم السابق ، العرف ، الحيلة ، سد الذرائع وغير ذلك ، هذه بعض الأدلة التي وقع نزاع كبير فيها ...
الحاصل أن هذه الأدلة التي ذكرناها الكتاب والسنة والإجماع والقياس هي المظان والمحال التي يطلب فيها الحكم الشرعي التكليفي والوضعي ...
كيف يبحث الأصوليون في هذه الأدلة الإجمالية ؟
البحث الأصولي لا يكون في التفاصيل يعني هم لا يبحثون في كل آية في كتاب الله عز وجل ، ولا يبحثون في كل حديث ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وإنما يبحثون في مسائل مجملة هذه المسائل يستعملها الفقيه في استخراج الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية من هذه الأدلة الإجمالية ، فمثلا يبحثون في كتاب الله عز وجل في حجيته هل كتاب الله عز وجل حجة يعني مصدر من مصادر التشريع أم لا ؟ وهذا مجمع عليه أنه حجة ، ثم يبحثون في طريق الوصول ، كيف وصل إلينا كتاب الله عز وجل ، طبعا وصل إلينا بطريق التواتر وهذا طريق مقطوع به ، إذن كتاب الله عز وجل حجة وقد وصل إلينا بطريق التواتر ...
ثم ينصرف بحث الأصوليين في دلالة الكتاب على المعاني ، يعني دلالة آيات القرءان على المعاني التي تفهم منها ، هل هذه الدلالة قطعية أم ظنية ؟ ، الدلالة القطعية يعني أن تكون دلالة الآية على المعنى دلالة واحدة لا يُختلف عليها فتدل الآية على حكم واحد ظاهر واضح جلي لا ينازع فيه ولا يختلف عليه بين أهل العلم ، لكن قد تكون الدلالة ظنية يعني الآية تحتمل معنى وأكثر ، كقول الله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} دلالة القرء ظنية لأنه يدل على معنيين يدل على الطهر والحيض وهذا محل نظر العلماء ...
إذن هكذا يكون بحث أهل الأصول وكذلك يبحثون في القراءات المتواترة والقراءات الشاذة وحكم العمل بالقراءة الشاذة هل يعمل بها أم لا ؟ هل تأخذ حكم حديث الآحاد أم لا ؟ وغير ذلك من أبحاث الأصول ...
ويبحثون في السنة من حيث حجيتها هل السنة حجة في العمل أم لا ؟ ، ثم يبحثون في طريق وصول السنة ، هل وصلت إلينا بطريق مقطوع كالمتواتر أو بطريق غير مقطوع به كالآحاد ؟ وهل الآحاد يوجب العمل أم لا ؟ ، ثم يبحثون في دلالة السنة على الأحكام هل هي دلالة قطعية أم هي دلالة ظنية ؟ يعني هل الحديث الذي يدل على هذا الحكم الشرعي هل هو يدل على حكم لا ينازع فيه بحيث تجتمع الأنظار على فهمه فهما واحدا لا ينازع أم أن الحديث يدل على معنيين وأكثر ، هذا محل نظر أهل الأصول ...

التعليق الخامس :


كذلك من أدلة الأحكام أو الأدلة الإجمالية التي يبحث فيها أهل الأصول الإجماع ، والإجماع هو اتفاق مجتهدي العصر بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- على حكم شرعي ، هل هذا الإجماع مصدر من مصادر التشريع ، يعني هل هو مصدر يُعتمد عليه في معرفة الأحكام الشرعية سواء منها ماكان تكليفيا أو وضعيا أم لا ؟ ، أجمع عامة أهل العلم من الأصوليين على أنه مصدر من مصادر التشريع وأنه حجة ملزمة للعمل ، يحتجون على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم- "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ...
من المسائل التي تُبحث في باب الإجماع إمكانية انعقاده ، الإمام أحمد -عليه رحمة الله- يرى أن الإجماع يصعب انعقاده بعد عصر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وقد روي عنه أنه قال : من ادّعى الإجماع فقد كذب أي بعد عصر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وعامة أهل العلم من الأصوليين على خلاف ذلك فيروْن أن الإجماع ينعقد بعد عصر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ...
من المسائل التي تُبحث في باب الإجماع ، أنواع الإجماع يقرر أهل الأصول أن الإجماع يكون بالقول ويكون بالفعل ..
كذلك من الأدلة الإجمالية أو أدلة الأحكام التي يبحث فيها الأصوليون القياس وهذا من أخطر الأبواب حتى قال الشافعي -رحمه الله- : «لا يحل القياس والخبر موجود» ، وهذا لأن مدرسة الرأي التي ينتمي إليها أبو حنيفة -عليه رحمة الله- كانت تقدم الرأي والقياس على حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وقال الإمام أحمد -رحمه الله- «ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين المجمل والقياس »، يعني يجتنب القياس إذا وجد النص طالما لا حاجة للقياس فيجب أن يُجتنب ، وقال أيضا -رحمه الله- : أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس ...
القياس أن تلحق فرعا بأصل في حكم ، مثال ذلك : في هذا العصر يوجد بعض الأمور التي تُتعاطى كالحشيش والهيروين والكوكايين وغير ذلك هذه الأشياء تذهب العقل ، لكن لا يوجد نص في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتحدث عن هذه الأشياء بأعيانها يعني بأسمائها ، لكن وجد في هذه الأشياء علة ، هذه العلة وجدت في شيء حرمته الشريعة ، وهو الشراب المسكر الخمر ، فحمل أهل العلم حكم الفرع على الأصل فقالوا إن هذه الأشياء تأخذ حكم الخمر ورتبوا عليها العقوبات التي تترتب على الخمر ..
وهذا باختصار ما يتعلق بباب أدلة الأحكام أو الأدلة الإجمالية ، تبقى مسألة قول الصحابي وحاصل القول في هذه المسألة ، أن قول الصحابي حجة من حجج الشرع ومصدر من مصادر التشريع ، لكن بشروط ألا يخالف قول الصحابي نصا من الكتاب والسنة وأن لا يعرف أن له مخالفا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن يشتهر ذلك القول بين الصحابة الكرام ، لكن إن فقد قول الصحابي شرطا من هذه الشروط فلا يكون حجة ملزمة ولا يكون مصدرا من مصادر التشريع ..
المهم أن نعلم أن أدلة الأحكام أو الأدلة الإجمالية هي المظان والمحال التي نذهب إليها لمعرفة الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية ...

التعليق السادس :


دلالة الألفاظ على معانيها هذا هو الباب الثالث من أبواب أصول الفقه ، فكرة هذا الباب أن نصوص الكتاب والسنة التي تدل على الأحكام الشرعية تأتي بدلالات مختلفة ، فمرة تكون دلالة النص عامة يعني شاملة تشمل جميع أفراد جنسها كقول الله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} فهذه الآية عامة في كل نفس خلقها الله تعالى دون استثناء لأي نفس ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله تعالى" فعصمة الدم والمال هنا تشمل كل من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله لا يستثنى من ذلك أحد ، كل من أتى بهذين الشرطين فقد عصم دمه وماله ، فهذا مثال الدلالة العامة ...
هذا العموم قد يكون مخصصا في نصوص أخرى فيأتي النص بدلالة خاصة فمثلا قول الله تعالى في آية المائدة {حرمت عليكم الميتة} هذه الآية نص صريح في تحريم كل ميتة لكن هذا العموم له مخصص ، هذا المخصص ورد في قوله صلى الله عليه وسلم "في ماء البحر هو الطهور ماء الحل ميتة" إذن نخصص الآية بهذا الحديث فنقول كل ميتة فهي محرمة سوى ميتة البحر فهذا عام له مخصص ...
ودلالة النص قد تأتي مطلقة ثم تقيد مثال الإطلاق قول الله تعالى {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} هنا أطلق القول سبحانه وتعالى بتحرير رقبة ، أي رقبة لم يحددها هل هذه الرقبة مؤمنة أم كافرة ؟ ، لكن وردت نصوص أخرى كما في كفارة القتل  قوله تعالى {فتحرير رقبة مؤمنة} إذن هنا الرقبة مقيدة بوصف وهو الإيمان فهذا مثال الإطلاق والتقييد ...
قد تأتي دلالة النص مجملة يعني يأتيك نص يحتمل أكثر من معنى ، كقول الله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} القرء يراد به الحيض والطهر في لغة العرب أي المعنيين هو المراد ؟ نحتاج إلى مبين ...
كذلك قد يأتيك النص مجملا من حيث الصفة كما في قول الله تعالى {أقيموا الصلاة} فالآية أمرت بإقامة الصلاة ، ما هي صفة الصلاة ؟ لم تبين الآية ، طيب من الذي بين ؟ النبي -صلى الله عليه وسلم- ورد في السنة القولية وفي السنة الفعلية صفة الصلاة التي أمر الله تعالى بإقامتها ، إذن هذا النص من الآية مجمل والبيان في أقواله صلى الله عليه وسلم وفي أفعاله ، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "صلوا كما رأيتموني أصلي" ...
إذن تأتي دلالات النصوص مختلفة ومتنوعة ، قد يأتيك النص له دلالات عامة أو يأتيك النص له دلالة خاصة أو يأتيك النص له دلالة مطلقة أو مقيدة أو يأتيك النص مجملا يحتاج إلى مبين ..
إذن الفكرة العامة لهذا الباب ، باب دلالات الألفاظ أن تفهم أن هذا الباب   من أبواب أصول الفقه يتحدث عن دلالات الألفاظ وأن هذه الدلالات لا تأتي على صفة واحدة حتى تتمكن من خلال هذا الفهم من النظر في هذه النصوص وتستخرج الأحكام الشرعية ...
يعني مثلا يأتيك نص عام  كالمثال الذي ذكرناه قوله تعالى في آية المائدة {حرمت عليكم الميتة} إذا كان الإنسان قليل العلم وجاهلا بأصول الفقه سيقول كل ميتة حرام حتى ميتة البحر ، لكن علم الأصول ينبهك ويقول لك ليس كل عام يحمل على عمومه ، طيب ما المطلوب ؟ المطلوب أن تبحث وتجرد النصوص ، نصوص الكتاب ونصوص السنة فتنظر هل هذا النص في تحريم الميتة عام لا مخصص له أم أن له مخصصا ؟ ، هنا يستقيم الفهم ويستقيم لك استنباط الحكم وهكذا ، يعني هذا الباب يبين لطالب العلم كيف يتعامل مع النصوص ؟ كيف ينظر في هذه النصوص وكيف يتعامل معها ؟ ...

الباب الأخير في علم أصول الفقه ، باب الإجتهاد والتقليد ...

هذا الباب أقول فيه قولا مختصرا :
 باب الإجتهاد والتقليد باب يبين حجم الناظر ، يعني حجم الذي ينظر في الكتاب والسنة ، أنت قد تنظر في الكتاب والسنة بصفتك مستدلا يعني مجتهدا تستنبط الأحكام وتستخرجها وقد تنظر في الكتاب والسنة بصفتك متعلما مقلدا ،متى تكون مستدلا ومتى تكون مقلدا ؟ هذا بحسب الشروط التي اشترطها أهل العلم في المستدل يعني المجتهد ، أن يكون مليا في لغة العرب نحويا صرفيا بلاغيا ، أن يكون متمكنا من علم الأصول ، أن يكون دارسا لقواعد علم الحديث حتى يفرق بين الصحيح الذي يستدل به والضعيف الذي لا يستدل به ، إذ كيف يُبنى الحكم على حديث ضعيف ؟ ، أن يكون عالما بالناسخ والمنسوخ ، بأن يكون عالما بعمومات الألفاظ في الكتاب والسنة ومخصصاتها وهكذا ، يعني ليس مجرد النظر يكون مستباحا بل لا يكون مستباح النظر إلا لمن جمع شرائط الإجتهاد ،ما دون ذلك هو المقلد ...
لكن هناك منزلة ثالثة تكلم عليها بعض العلماء وهو المتبع بدليل ، المتبع بدليل مثل طالب العلم الذي يحفظ متنا في النحو ومتنا في الأصول ، متنا في الاعتقاد ، متنا في الفقه ، ويقرأ ويتفقه وينظر في الأدلة التي يستدل بها ثم تنشأ عنده الملكة العلمية والفقهية مع الوقت ، هذا نقول ليس مقلدا هذا متبع بدليل ...
على كل حال هذا تعليق مختصر على النقاية أردت به أن أبين فقه علم الأصول ، فأنا لا أريد أن ينحصر النظر أو تنحصر دراستنا لهذه الرسالة في مجرد ألفاظ نحفظها ونحفظ عليها التعريفات لا ، أريد أن نفهم وأن نفقه وأن نتصور هذا الفن تصورا صحيحا ..
أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى ، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ...

تعليقات

المشاركات الشائعة