رسائلي للعقلاء بقلم الأستاذ أبي زياد النحوي

💌رسائلي للعقلاء ..

بقلم الأستاذ / أبي زياد النحوي


1⃣ من أين نأخذ ديننا ( مصادر التلقي ) ..


🔸هذه بداية طريق السالكين إلى الله عزوجل ، التي يجب أن يقف
عندها المسلم ليصحح بها السلوك إلى ربه سبحانه ، من أين نأخذ
ديننا ؟ ما هي المصادر التي نأخذ عنها ؟ و هنا يبدو الجواب معلوما
للجميع ، و يصدق فيه قول كعب بن زهير :
  ما أرانا نقولُ إلا رجيعاً ....      ومعاداً من قولنا مكرورا

▪️ نعم ، فالكل يردد قولا واحدا : مصدر التلقي هو « الكتاب والسنة » ،وهذا في ظاهره خير ولاشك ، ولكن : إذا كان مصدر التلقي هو « الكتاب والسنة » فكيف يتم تناول « الكتاب والسنة » ؟ بمعنى :
كيف نفهم « نصوص الكتاب والسنة » ؟ على أي شئ نعتمد في ذلك ؟

🔸إذن : لابد من ميزان و معيار و ضابط لفهم « الكتاب والسنة » حتى نأمن الخطأ والزلل ، و الميزان في هذا الباب أن فهم « الكتاب والسنة » يكون بفهم السلف الصالح وهم أهل القرون الثلاثة الأولى ، من أصحاب
النبي - صلى الله عليه وسلم - و من تبعهم و سار على هديهم ، وقد قال الله فيهم ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) التوبة : 100 ، فهؤلاء هم الصحابة قد رضي الله عن اعتقادهم و قولهم وفعلهم ، ورضي عمن تابعهم ، و ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال « خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » رواه البخاري عن ابن مسعود ،و حكى شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أفضلية القرون الثلاثة الأولى كما في مجموع الفتاوى ج 4 ص 158 ...

🔺 و علم الصحابة نقله أئمة العلم والهدى من التابعين ومن تبعهم ، حتى استقر في مصنفات أئمة المذاهب المعروفة كمالك وأحمد والشافعي ، فالواجب أن يلتزم المسلم بسبيل هؤلاء ليضمن السير على جادة الطريق بلا انحراف أو زلل ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
ولا تجد إماماً في العلم والدين، كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومثل: الفضيل وأبي سليمان، ومعروف الكرخي، وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب .. انظر شرح العقيدة الأصفهانية 165 ..

🔘إذن : الضابط في فهم « الكتاب والسنة » هو كلام السلف الصالح ،فيجب ألا نخرج عنهم و إلا انحرفت بنا الطريق ، قال ابن رجب الحنبلي:
فمن عرف قدر السلف، عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدل والخصام، والزيادة في البيان على مقدار الحاجة؛ لم يكن عيا، ولا جهلا، ولا قصورا، وإنما كان ورعاً وخشية لله، واشتغالاً عما لا ينفع بما ينفع .. انظر فضل علم السلف على الخلف ص 58 ..

🔸فلذلك نحن نتقيد بالدليل من الكتاب والسنة ، لا بقول فلان وفلان ،فإن الله تعبدنا بقوله هو سبحانه ، و بقول نبيه - صلى الله عليه وسلم - و هذا الدليل له ضابط وتفسير و تبيين طفحت به كتب و مصنفات
أئمة العلم كمالك و الشافعي وأحمد فرحم الله الجميع ...


2⃣ الصحابة كانوا ينكرون على من أخطأ ، فليس هناك أحد فوق الشرع...


🔺 وهذه مسألة كبيرة يجب الاعتناء بها ، أنه « ليس هناك أحد فوق الشرع » بل كل من قال قولا فإنه يحتمل الصواب والخطأ ، وقد وقع الخطأ من بعض الصحابة و أنكر عليهم إخوانهم ، لأن العصمة ماتت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ...

🔘قال العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ كما في" الدرر السنية جزء4/9 :  ما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائنا من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم »انتهى كلامه  ..

🔺فهؤلاء هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينكرون على
من أخطأ ، لأن الذي يجب اتباعه هو محمد - صلى الله عليه وسلم -
دون ما سواه ، ولذلك روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وأهله
جزء 2 ص 92 عن الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ : " لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " انتهى ...

▪️وقد روي هذا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - و عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة ، فالحاصل أن العصمة في كلام الله ورسوله ..

🔸ولذلك نحن ننكر على أهل البدع و الضلال ولا يرهبنا حملات التشويه و الطعن ، فتلك سنة كونية ربانية لا تتخلف ،  فطريق الدعوة إلى الله ليس مفروشا بالياسمين ، بل بالأذى و قد وجب الصبر ...


3⃣ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقا ..


🔸ذكر الشاطبي في كتاب « الاعتصام » ج1 ص 22 :
عن سيد العباد والزهاد بعد الصحابة أويس القرني أنه قال :
« إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقا  ،
نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون على ذلك أعوانا من الفاسقين حتى والله لقد رموني بالعظائم وأيم الله لا أدع أن أقوم
 فيهم بحقه » قال الشاطبي معلقا :
فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبا كما بدأ .. انتهى كلامه ..

▪️ قلت : وهل الناس اليوم إلا كذلك ؟ فإنا نأمرهم باتباع الكتاب والسنة بفهم الأولين من الصحابة ومن تبعهم ، وأن يكونوا وسطا بين الإرجاء و الغلو ، وننهاهم عن الزيادة في الشريعة ، و أن يكونوا رحمة للناس كما كان نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ، فلا نجد منهم إلا شتم أعراضنا ورمينا بما يعلم الله أنه ليس فينا ، ثم يجتمع حولهم الفساق فيرغدون ويزبدون ، و يحملون من الخطايا و العظائم مالا منجى لهم به من الله ، ومع ذلك فلن نتعدى حدود الله فيهم ، لأنا نعلم أن الجهل قد أحاط بهم ، فأعماهم عن رؤية الحق وأهله ، وكيف لا ؟ و هؤلاء غاية أمرهم مطالعة ما سطره الشيخ جوجل ، فهو شيخهم ، تعلموا منه كيف يقصون وكيف يلزقون ، فاللهم إليك نشكو ، أنت ولينا في الدنيا والآخرة ...

4⃣هل يعذر من لم يكفر الجهمية ؟والجهمية شر من عباد القبور..


🔺 نقرر في رسالتنا هذه قاعدتين في غاية الأهمية :

▫️1- الأولى : أنه لا خلاف بين أهل السنة والحديث في كفر من قال
« بخلق القرءان » و الذي قال بذلك هم « الجهمية » و قد تكلم الإمام
أحمد في رسالته « الرد على الجهمية والزنادقة » و قال بكفر الجهمية ، و تبعه على ذلك البخاري في رسالته « خلق أفعال العباد » و قال بكفرهم أيضا ، بل ذكر العلامة ابن القيم في « النونية » عن خمسمائة عالم قالوا بكفر الجهمية القائلين بخلق القرءان ، فهذه مسألة وفاقية ...

▫️2-  الثانية : كيف تعامل السلف مع من توقف في تكفير الجهمية ؟
و الجهمية أشر من عباد القبور ، لماذا ؟ لأن عابد القبر يثبت ربا ويعبده ، و لكنه يعبد معه غيره ، و أما الجهمية ، فإنهم ينكرون الرب سبحانه ، كيف ذلك ؟ نقول : لأن الجهمية ينكرون كل أسماء الله و صفاته ، فصار الرب عندهم عدما لا وجود له ، ولذلك قال العلماء :
الجهمية يعبدون عدما ، فهم يعتقدون أن الله تعالى موجود في الذهن ، ولا حقيقة له ، وهذه العقيدة هي عين كلام فلاسفة اليونان ...

🔘 نقول : كيف تعامل السلف مع من توقف في تكفير الجهمية ؟
قال الإمام أبو حاتم الرازي :
« من زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر كفرا ينتقل به عن الملة ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر ، ومن كان جاهلاً علم فإن أذعن بالحق بتكفيره وإلا ألزم الكفر" طبقات الحنابلة  1/286 ...

🔸قلت : فتأملوا قوله « ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر » فاشترط في تكفيره انتفاء الجهل وثبوت الفهم ، يعني :
أن يكون عالما بحال هؤلاء ، و عالما بحكم الله فيهم ، و الدليل قوله :
« و من كان جاهلا علم ، فإن أذعن بالحق بتكفيره و إلا ألزم الكفر »
فالجاهل نعلمه و نبين له ، ونزبل عنه الشبهة ، فإن أصر كفر ...

🔹و قال أبو الشيخ الأصبهاني:
« من شك في كفر من قال: القرآن مخلوق بعد علمه، وبعد أن سمع من العلماء المرضيين ذلك؛ فهو مثله" الحجة في بيان المحجة 1/240 ..

🔺فهذه النقول عن أهل العلم تبين كيف استعمل العلماء قواعد التكفير ،و أنهم يشترطون في تكفير المعين شروطا فليس الأمر على عمومه ...

5⃣ غربة أهل العلم بين الناس كغربة الإسلام بين أهله ...


🔺 ذكر الشاطبي في الاعتصام ج1ص 22 عن أبي عبد الرحمن بن بطة الحافظ وهو إمام زمانه و قد لقي بين الناس غربة عظيمة ، و إيذاء شديدا ، فقال - رحمه الله - :
« ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره ، و إن داهنت جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى ، ولن يغنوا عني من الله شيئا ، و إني مستمسك بالكتاب والسنة ، و أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الرحمن الرحيم »..

🔹قال الشاطبي معلقا : فكأنه - رحمه الله - تكلم على لسان الجميع ،
فقلما تجد عالما مشهورا ، أو فاضلا مذكورا ، إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو
بعضها ، لأن الهوى قد يداخل المخالف ، بل سبب الخروج على السنة هو الجهل بها و الهوى المتبع » انتهى من الاعتصام ...

🔘قلت : فالذي يجب على أهل العلم والفضل أن يستمسكوا بالكتاب والسنة ، و ألا يلتفتوا إلى دعاوى المناوئين و الجهال والغلاة ، فإن موافقتهم هلكة عظيمة ، و إغضاب للرب جلا وعلا ، نسأل الله السلامة .

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة