(17) دورة شرح الورقات في أصول الفقه ..



💠الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و من والاه وبعد :

🔴قال أبو المعالي الجويني :
وَمِنْ وَجهٍِ آخَرٍ يَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ ..

فَالحَقِيقَةُ : مَا بَقِيَ فِي الاِسْتِعْمَالِ عَلَى مَوْضُوعِهِ ، وَقِيلَ : مَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِن المُخَاطَبَة .

وَالمَجَازُ : مَا تُجُوّزَ بِهِ عَنْ مَوْضُوعِه .

🔺الشرح ...

🍃الذي قلناه : إن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز هو تقسيم محدث ، من اختراع المعتزلة والجهمية ولم تعرفه العرب و لم يعرفه أهل القرون الأولى ، بل كل كلام العرب حقيقة على معناه ..

🍃لكن لما حصل النزاع بين أهل السنة والحديث و بين المعتزلة في باب الصفات ، احتاج المعتزلة إلى حجة يعتمدون عليها في نفي صفات الله تعالى ، فاخترعوا القول بالمجاز ، لينكروا به صفات الله تعالى ، ولذلك قال ابن القيم في  الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة : « فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات وهوطاغوت المجاز » مختصر الصواعق المرسلة ، ص: 271 ..

🔸فسماه ابن القيم طاغوتا لأنه صار صنما يطوف حوله الجهمية لنفي صفات الله تعالى ، على كل حال نحن ننكر المجاز ولا نقره ، لأن أئمة اللغة الأوائل لم يعرفوه كيونس بن حبيب والخليل وسيبويه ..

🔴قال الجويني : فَالحَقِيقَةُ : مَا بَقِيَ فِي الاِسْتِعْمَالِ عَلَى مَوْضُوعِهِ ..

🍃لو قلت مثلا : كلمة « الصلاة » هذه في لغة العرب تعني الدعاء ، فإذا سمع العربي رجلا يقول : صليت ، يعني : دعوت الله أن يرحمني ، لكن لما جاء الشرع قال لنا : « الصلاة عبادة مفتتحة بالتكبير ، مختتمة بالتسليم ، لها صفة مخصوصة » ، ⏪إذن : الشرع نقل كلمة الصلاة من معناها الأصلي الذي تعرفه العرب ، إلى معنى آخر ، هنا قال الجويني ومتأخرو الأصوليين : تفسير الصلاة بأنها الدعاء هذا حقيقة ، لأن هذا هو المعنى الأول الذي وضع له لفظ الصلاة ، وبه عرفه العرب ، و تفسير كلمة الصلاة بالمعنى الشرعي بأنها عبادة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم ولها صفة مخصوصة ، هذا مجاز ، لأنه ليس هو المعنى الأصلي الأول ...

🍃ولو قلت مثلا : كلمة « أسد » تعني في لغة العرب الحيوان المفترس ، فإذا سمع العربي رجلا يقول : رأيت أسدا ، يفهم أنه رأى الحيوان المفترس المعروف بهذا الاسم ، لأن كلمة أسد تعني ذلك ،
ولو رأى بعض الناس رجلا شجاعا يقولون : هذا أسد ، يعني : يشبه الأسد في شجاعته ، هنا يقول الجويني ومتأخرو الأصوليين : المعنى الأول حقيقة والثاني مجاز .

🔴إذن قوله : فَالحَقِيقَةُ : مَا بَقِيَ فِي الاِسْتِعْمَالِ عَلَى مَوْضُوعِهِ ، يعني : بقاء اللفظ على معناه الأول ، الذي وضع له في لغة العرب .

🍃ولو مشينا على كلام الجويني فإن الشريعة كلها مجازات ، ليس فيها حقيقة واحدة ، لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء ، وهذا هو المعنى الأول الذي تعرفه العرب ، و أما كونها عبادة لها صفة مخصوصة فهذا مجاز ...

▪️وكذلك الإيمان في اللغة هو التصديق أو الإقرار ، و في الشرع هو القول والعمل ، فيكون الإقرار هو حقيقة الإيمان ، وأما العمل فليس من الإيمان حقيقة ، بل هو مجاز ، فصارت الشريعة بهذا من المجازات ، ولا شك في بطلان هذا ..

☑️والصواب أن نقول :
الحقيقة هي « استعمال اللفظ بمعناه الذي اصطلح عليه أهله » فالصلاة في الحقيقة اللغوية هي الدعاء ، وفي الحقيقة الشرعية هي عبادة لها صفة معلومة ، وهكذا نستعمل كل لفظ بحسب اتفاق أهله على معناه ، وهذا يأتي تفصيله في المقال القادم بإذن الله ..

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة