(18) دورة شرح الورقات في أصول الفقه ..
💠الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و من والاه وبعد :
🔴قال أبو المعالي الجويني :
فَالحَقِيقَةُ : مَا بَقِيَ فِي الاِسْتِعْمَالِ عَلَى مَوْضُوعِهِ ، وَقِيلَ : مَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِن المُخَاطَبَة .
وَالمَجَازُ : مَا تُجُوّزَ بِهِ عَنْ مَوْضُوعِه .
🔺الشرح ...
🔸الذي قاله الجويني أن الحقيقة هي : « مَا بَقِيَ فِي الاِسْتِعْمَالِ عَلَى مَوْضُوعِهِ »
🍃يعني : كلمة « الإيمان » في اللغة هي التصديق أو الإقرار ، وفي الشرع القول والعمل ، فأيهما حقيقة ؟ على كلام الجويني المعنى الأول وهو اللغوي هو الحقيقة ، فيكون الإيمان حقيقة هو التصديق ، و أما أنه القول والعمل فهذا مجاز لا حقيقة ، لأن كلمة « الإيمان » بأصل وضعها هي التصديق ، وقلنا إن هذا ليس صحيحا ، والصواب أن الحقيقة هي « استعمال اللفظ بالمعنى الذي اتفق عليه أهله » وهذا ذكره الجويني بقوله : « وقيل : مَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِن المُخَاطَبَة » يعني : تفسير اللفظ بالمعنى الذي اتفق عليه أهله ...
🍃وإذا قلنا إن الحقيقة « هي استعمال اللفظ بمعناه الذي اتفق عليه أهله » فهذا يعني أن الحقائق ثلاث :
▪️الأولى : الحقيقة اللغوية ،و المراد بها : « استعمال اللفظ بمعناه في لغة العرب » فمثلا : كلمة « ناقة » في لغة العرب تطلق على أنثى الإبل ، و كلمة « جمل » تطلق على ذكر الإبل ، فإذا قرأ القاريء قوله تعالى (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) الأعراف ، نفهم أن قوم صالح - عليه السلام - ذبحوا إنثى الإبل ، التي جاء بها صالح - عليه السلام - آية من عندالله تعالى على نبوته ..
🍃و كلمة « دابة » في اللغة هي كل ما يدب على الأرض ، سواء كان له رجلان أو أربعة أرجل ، فكل ما يدب على الأرض يسميه العرب دابة ..
▪️والحقيقة الثانية : الشرعية ، وهي : « استعمال اللفظ بمعناه الذي ورد به الشرع » فالصلاة في الشرع هي العبادة المعروفة التي تبدأ بالتكبير و تنتهي بالتسليم ، و الإيمان في الشرع هو القول والعمل ، والزكاة في الشرع هي إخراج المال على الصفة التي أمرت بها الشريعة ، وهكذا جاءت الشريعة بتفسير مخصوص لكثير من الألفاظ ..
🍃والعلماء إذا شرحوا هذه الكلمات يقولون مثلا : الصلاة لغة هي الدعاء ، وشرعا هي عبادة مخصوصة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم ، و مثلا الصيام يقولون : لغة هو الإمساك ، وشرعا هو ترك الطعام والشراب والجماع تقربا لله تعالى ، وهكذا في كل أبواب الشريعة .
🍃واللفظ الواحد قد تجتمع فيه الحقيقة اللغوية والشرعية ، كالصلاة والزكاة والحج والصيام و التوحيد و الكفر والإيمان ، كل هذه الألفاظ لها معنيان ، لغوي وشرعي ، ولكن أيهما نقدمه و نفسر به اللفظ ؟ لاشك أننا نفسر اللفظ بالمعنى الشرعي ، لأن الله تعبدنا بالمعاني الشرعية لا اللغوية ، وهذه مسألة كبيرة جدا ضل فيها أقوام كالمرجئة ، فإنهم فسروا الإيمان بالحقيقة اللغوية فقالوا : الإيمان هو تصديق القلب أي : معرفته ، فصار إبليس عندهم مؤمنا لأنه يعرف الله تعالى ، لكن الإيمان له حقيقة شرعية وردت في كتاب الله تعالى ، ونحن نعبد الله بشريعته ، فالإيمان قول وعمل وإخلاص ، المهم أن نفهم أن اللفظ الذي تجتمع فيه الحقيقة اللغوية والشرعية ..
🔺هذا نفسره بالحقيقة الشرعية لأننا متعبدون بها ، وهذه المسألة ذكرها الشاطبي في الموافقات في أصول الفقه و أوضحها جدا فراجعوها ...
▪️والحقيقة الثالثة: العرفية ، وهي :
« استعمال اللفظ بمعناه في عرف الناس » فمثلا : كلمة « البعير » عند العرب تشمل الجمل وهو ذكر الإبل ، و الناقة وهي أنثى الإبل ، لكن في عرف بعض الناس البعير هو الجمل ، فيقولون : بعير وناقة ، على كل حال يجب أن نعرف أن حقائق الألفاظ يعني معانيها ثلاث : حقيقة لغوية وشرعية وعرفية ...
📌و معرفة هذه المسألة لها ثمرة كبيرة نوضحها بمثال :
🍃لو قال رجل لزوجته : أنت طالق لو أكلت لحما ، فلو جاءت الزوجة بسمك و أكلته ، هل تكون طالقا ؟ هذا فيه تفصيل : فجمهور الفقهاء يقولون : لا يقع الطلاق ، لأن السمك في العرف ليس لحما ، وإن كان في اللغة هو من اللحم ، إلا أن الخطاب بين الناس يفرقون فيه بين اللحم والسمك ، وهنا نقدم المعنى العرفي و لا تكون الزوجة طالقا ، و لكن خالف الحنفية فقالوا : هي طالق ، لأن السمك في اللغة من اللحم ، وهم يقدمون اللغة على العرف ، على كل حال هذه مثال نوضح به ثمرة المسألة ..
#أبو_زياد_النحوي
تعليقات
إرسال تعليق