(2)خواطر وتأملات في باب العذر بالجهل ...

🍀الحمدلله و الصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد :

🔴قررنا في المقال السابق ما يلي : 

▪️أولا : كل من ارتكب الشرك الأكبر نحكم عليه بأنه مشرك ، سواء كان عالما أو جاهلا أو مقلدا أو متأولا ، و دليل ذلك : 

1⃣- العقل : فإن العقل يدرك قبح الشرك وبطلانه ، و يدرك حسن التوحيد ، فلذلك كان العقل حجة حاكمة في باب التحسين والتقبيح ، و في إلحاق الأسماء بمن اتصفوا بحقيقتها ، فمن سرق نقول : سارق ، و من قتل نقول : قاتل ، و كذلك من أشرك نقول : مشرك ..

🍃وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية لما حكى مذاهب الناس في التحسين والتقبيح ، فقال في المجموع : « ولهذا كان للناس في الشرك والظلم والكذب والفواحش ونحو ذلك ثلاثة أقوال :
▫️قيل إن قبحها معلوم بالعقل وأنهم يستحقون العذاب على ذلك في الآخرة وإن لم يأتهم الرسول كما يقوله المعتزلة..
▫️وقيل لاقبح ولاحسن ولاشر فيهما قبل الخطاب كما تقوله الأشعرية ومن وافقهم..
▫️وقيل إن ذلك سئ وشر وقبيح قبل مجيء الرسول لكن العقوبة إنما تستحق بمجيء الرسول وعلى هذا عامة السلف وأكثر المسلمين وعليه يدل الكتاب والسنة » مجموع الفتاوى جزء 11 ص 676 ...

🔺حينئذ نقول : 
مذهب السلف هو إثبات اسم المشرك لمن فعل الشرك ولو كان جاهلا ، لأن العقل حجة في إدراك الحسن والقبح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية و حكاه عن السلف فصار إجماعا ..

🔸و ذكر ابن القيم طبقات المكلفين، ذكر منهم طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم، فكان مما قاله عن تلك الطبقة: (اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالاً مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين، لا الصحابة ولا التابعين، ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام » 
طريق الهجرتين ص 411 بتصرف ..

🔘إذن : الذي يرتكب الشرك والكفر جاهلا متفق على كفره كما نقل ابن القيم ، فهي مسألة إجماعية ، لكن النزاع كما قلنا في التعذيب والتعذيب متعلق بالحجة الرسالية ..

2⃣- اللغة : و أما اللغة فباب «المشتقات» كإسم الفاعل وإسم المفعول والصفة المشبهة ، هذا يعرفه المبتدئون في دراسة اللغة ، 
أن كل من فعل فعلا نشتق له منه وصفا نسميه به ، فمن قتل نسميه قاتلا ، وهل يجوز أن نقول : فعل القتل وليس بقاتل ؟! ⏪الجواب : لا ، وكذلك نقول : من أشرك نسميه مشركا ، ولا يجوز أن نقول كما يقول أهل البدع : فعل الشرك وليس مشركا ، ويفرقون بين الفعل والفاعل ، وهذا غباء وجهل صرف ، ولم يقل به إلا الأشاعرة و من تأثر بهم من المنتسبين لأهل السنة ..

3⃣- الشرع : و أما نصوص الشرع فكثيرة جدا ، ومنها قوله تعالى «وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ » التوبة : 6 ، فسماه مشركا قبل سماع القرءان ، فلو كان إثبات كونه مشركا متوقفا على سماع القرءان لما حكم بذلك ..

🌴وقوله تعالى «  وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ » هود : 50 ، فسماهم مفترين قبل معرفته هل سيخالفونه أم لا ، لأن الاسم يثبت بمجرد الفعل ، وهم عبدوا غير الله تعالى ..

🔘إذن : دلالة الشرع والعقل واللغة تقرر أن الذي يرتكب الشرك نسميه مشركا بمجرد الفعل ولو كان جاهلا ، خلافا لقول أهل البدع الذين يفرقون بين الفعل وفاعله والقول وقائله ..

▪️ثانيا : العقوبة والعذاب يشترط فيها إقامة الحجة ، و الدليل قوله تعالى « وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا » الإسراء : 15 ، فعلق العذاب على بعثة الرسل ، وهذا خلافا لقول المعتزلة ..

🔸إذن : هذا الكلام هو تفصيل وزيادة لما ذكرته في المقال الأول ، والغرض منه التأسيس و التثبيت ، لأننا سننطلق من خلال هذا التأصيل في مناقشة كلام الذين يعذرون بالجهل ، ونبين بطلان كلامهم ، وأنهم خالفوا دين الأنبياء والمرسلين ...


#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة