(3)خواطر وتأملات في باب العذر بالجهل ...

🍀الحمدلله و الصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد :
🔺قررت في المقالين السابقين الضابط والأساس الذي ينبني عليه باب العذر بالجهل ، والذي من فهمه زالت عنده الإشكالات ، واستطاع أن يجمع بين كلام أهل العلم في هذا الباب ، دون أي اضطراب أو التباس ..



▪️و مجمل ما قلته في ذلك :

1⃣- أن من وقع في الشرك نسميه مشركا بمجرد وقوعه ، حتى لو وقع في الشرك بجهله أو تقليدا لعالم أو تقليدا لأبويه ،و هذا بناء على قاعدة حجية العقل والفطرة في إدراك قبح الشرك و حسن التوحيد ، وهذا قول السلف قاطبة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع ...

2⃣- أن تسميته مشركا لا يلزم منها أن يعذب ، لأن العذاب والعقوبة متعلقان بإقامة الحجة الرسالية كما قال تعالى « وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا » الإسراء ، فلذلك الصواب أن يكون العذر بالجهل متعلقا بالعقوبة والعذاب لا بتسمية من عبد غير الله مشركا ، وهذه مسألة قل من أدركها من طلاب العلم .
🍃و هذه القاعدة و الأساس ينبني عليها الكلام في مسألة أهل الفترات ، فنقول : من هم أهل الفترة و ما حكمهم ؟...

⏪والجواب : أهل الفترة « قوم لم يدركوا النبي الذي قبلهم ولا الذي بعدهم ،  فانقطعت عنهم الرسالات » وهذا الوصف يطلق على الفترة الزمنية التي بين عيسى عليه السلام ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ..

🍃قال ابن كثير  رحمه الله  « هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم » تفسير القرآن العظيم حزء  2/ 35 ، و قال الألوسي رحمه الله  « أجمع المفسرون بأن الفترة هي انقطاع ما بين رسولين» روح المعاني جزء 6/ 103 ..
🔘إذن : أهل الفترات قوم انقطعت عنهم الرسالات ، لأنهم لم يدركوا نبيا ..
▪️و أما حكم أهل الفترة ، فهم ثلاثة أقسام :
▫️القسم الأول : من بلغته دعوة التوحيد فلم يشرك بالله شيئا و هؤلاء هم الحنفاء الموحدون ، وهؤلاء مسلمون ظاهرا وباطنا ..
🍃ومنهم قس بن ساعدة ، الذي ذكره ابن كثير في بدايته، وقسّ هذا له خطبة مشهورة من كلماتها « أقسم قسٌّ قسمًا لاريب فيه أن لله دينًا هو أرضى لكم من دينكم » البداية والنهاية -ابن كثير جزء 2 ص 230 ..
🍃و منهم زيد بن عمرو بن نفيل أبو سعيد بن زيد الصحابي الجليل الذي كان يقول : « اللهم إني لو أعلم أحبَّ الوجوه إليك عبدتك، ولكني لا أعلم -ثم يسجد على راحلته » البداية والنهاية لابن كثير جزء 2 ص 237
🍃وقد أدركه النبي – صلى الله عليه وسلم – قبل مبعثه، وكان يتحنث في غار حراء، وكان لا يأكل مما ذبح على النصب، فذُكر عند النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد البعثة فقال : “غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم” (انظر (فتح الباري: 7/ 147) ..
🔸هذا القسم بلغتهم بقايا دين إبراهيم - عليه السلام - فوحدوا الله ولم يشركوا به ، وكان حجة على قومهم ..
▫️القسم الثاني : من بلغته دعوة التوحيد ولكنه أشرك بالله ، وهؤلاء كفار ظاهرا وباطنا ..
🔺ومن هؤلاء :

1⃣-  عمرو بن لحي  : فهو أول من سن عبادة الأصنام ،   قال فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم - « رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار » أخرجه مسلم ، يعني : يجر أمعاءه ..

2⃣- عبد الله بن جدعان  : « فعن عائشة -رضي الله عنها-  أنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ابن جدعان و كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: لا، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين »  أخرجه مسلم ..

3⃣- أبو النبي -صلى الله عليه وسلم - فقد أخرج مسلم « أن رجلًا سأل النبي-  صلى الله عليه وسلم -  أين أبي؟ قال: إن أبي وأباك في النار » الحديث ..

🍃وهذا القسم قامت عليهم الحجة الرسالية بأمثال زيد بن عمرو و قس بن ساعدة ، فاستحقوا العذاب ..
▫️القسم الثالث : من أشركوا بالله ولكنهم لم تبلغهم الدعوة ، وهؤلاء كفار مشركون في أحكام الدنيا ، ولكنهم لا يعذبون في الآخرة إلا بعد قيام الحجة عليهم ، بأن يختبرهم الله ، وهذا القول قال به السلف وجمهور الأئمة واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه بن القيم والإِمام ابن كثير والإِمام ابن حجر العسقلاني ، واختاره الشيخ محمد أمين الشنقيطي وغيرهم كثير ..
🍃قال  شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : « ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال (أطفال المشركين) والمجانين وأهل الفترات فهؤلاء فيهم أقوال أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب » الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جزء 1 ص 312 ..
🍃قال  الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله -  في تفسير قوله تعالى « وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا » الآية : « والله تعالى أعدل العادلين، لا يعذب أحداً حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة ، وأما من انقاد للحجة، أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه، استدل بهذه الآية على أن أهل الفترات، وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله، حتى يبعث إليهم رسولا ً، لأنه منزه عن الظلم»  تفسير السعدي جزء 4 ص  266 ..
🍃وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن الأسود بن سريع أنه - صلى الله عليه وسلم قال « يكون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق ، ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً » .
🔘إذن : هذا القسم كفار في الدنيا ولكنهم يختبرون يوم القيامة ، لأن الله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ، لكن من جهة تسميتم بأنهم مشركون هذا لا نزاع فيه ..

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة