(32) عقيدة أهل السنة والجماعة ..
✳️باب : ذكر من ضل في أبواب التوحيد ..
🔸المعتزلة ..
▪️ثالثا : مقالات المعتزلة ..
🔺نذكر في هذا المقال مسألة واحدة ثم نختم بذكر شئ يسير من مناظرة الإمام أحمد لابن أبي دؤاد في مسالة خلق القرءان من باب طرد الفائدة ..
🍃و المسألة : ماذا يعني القول بأن القرءان مخلوق ؟ و الجواب :
1⃣- يترتب على القول بخلق القرءان نفي صفة الكلام عن الله سبحانه ، و الاعتقاد بأن الإله الذي نعبده لا يتكلم ، وهذا باطل بالشرع والعقل ، أما الشرع فقد أثبت الله لنفسه صفة الكلام فقال سبحانه :
« وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً» النساء:164 ، فتأكيد الفعل بمصدر من لفظه يؤكد أنه كلمه حقيقة و هذا إجماع لا نزاع فيه ، و اما العقل : فإن الله لو كان لا يتكلم ، فهذا نقص وعيب ، و العيب والنقص منفي عن الله تعالى بإجماع العقلاء ، فنثبت له الكلام لأن فيه كمالا و جلالا ..
2⃣- و يترتب على القول بخلق القرءان : أن الله تعالى في حاجة لبعض خلقه ، لأن الله له أوامر ونواهي ، فكيف يأمر وينهى وهو لا يتكلم ؟ فيحتاج إذن لمن يتكلم نيابة عنه ، وهذا باطل لأن الله سمى نفسه باسم « الغني » و الغني هو الذي استغنى بنفسه عن خلقه ، فلا يحتاج لأحد من عباده ، بل الخلق كلهم مفتقرون إليه ، و كذلك « هو القيوم » الذي قام بنفسه و قام بشئون خلقه ، فكيف يكون قيوما وهو لايتكلم ؟! سبحانه ..
3⃣- ويترتب على القول بخلق القرءان تكذيب لكثير من الآيات التي في القرآن والتي تثبت كلام الله لأنبيائه ورسله، كقوله سبحانه: « وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً» النساء:164 ، وكقوله سبحانه: « إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » آل عمران: من الآية55 ، وكقوله سبحانه: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ » الفتح:15 ..
4⃣- ويترتب على القول بخلق القرءان : إبطال الشريعة و إبطال الأمر والنهي ،لأن القرءان صار نقوشا حينئذ ، و صار كأي مخلوق يطرأ عليه التبديل والتغير ،وزالت قدسيته و زالت حجيته على الخلق ، لأنه لا حجة لمخلوق على مخلوق ، فلذلك القول بخلق القرءان خطر كبير ..
🔹ولذلك تشدد السلف جدا مع القائلين بخلق القرءان و كفروهم و بينوا ضلالهم ، ولم يتهاونوا معهم لعظم بدعتهم ، فالخلاصة أن القول بخلق القرءان شر كبير ...
🔹ثانيا : ذكر شئ من مناظرة أحمد لابن ابي دؤاد ..
🍃لما كان الإمام أحمد في السجن ،استحضره المعتصم من السجن ،وعقد له مجلساً مع ابن أبي دؤاد وغيره من علماء السوء ،وجلسوا يناقشونه في خلق القرآن ،والإمام أحمد يستدل عليهم بالنصوص الواردة ،ويقول لهم: أعطوني دليلاً من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،وانفض المجلس ذلك اليوم دون شيء ،وأمر المعتصم برده إلى السجن ،وفي اليوم التالي أحضر من السجن وعقد المجلس ،وكان موقفه رائعاً جليلاً كموقفه في الأمس ،ورغم المحاولات والمناقشات ،صمم الإمام أحمد على كلامه ،وفشل القوم كفشلهم بالأمس ،وانفض الاجتماع ورُد الإمام أحمد إلى السجن ..
🍃وفي اليوم الثالث أعيد انعقاد المجلس ،وأُحضر الإمام أحمد من السجن ،وأعيدت المناقشة ،وكان المعتصم عند عقد مجلس المناظرة ،قد بسط بمجلسه بساطاً ،ونصب كرسياً جلس عليه ،وازدحم الناس إذ ذاك ،كازدحامهم أيام الأعياد ،وكان مما دار بينهم ،أن قال للإمام أحمد ،ما تقول في القرآن ،فقال كلام الله غير مخلوق ،قال الله تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله قال هل عندك حجة غير هذا ،قال نعم ،قول الله تعالى: الرحمن علم القرآن ولم يقل: خلق القرآن وقال تعالى: يس والقرآن الحكيم ولم يقل والقرآن المخلوق.
🍃فقال المعتصم: أعيدوه للحبس وتفرقوا ،فلما كان من الغد ،جلس المعتصم مجلسه ذلك وقال: هاتوا أحمد بن حنبل فاجتمع الناس ،وسمعت لهم ضجة ببغداد ،فلما جيء به وقف بين يديه ،والسيوف قد جردت ،والرماح قد ركزت ،والأتراس قد نصبت ،والسياط قد طرحت ،فسأله المعتصم ،عما تقول بالقرآن ،قال أقول غير مخلوق ،واستدل بقوله تعالى: ولكن حق القول مني قال فإن يكن القول من الله تعالى ،فإن القرآن كلام الله ..
🍃وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة ، فناظروه بحضرته ثلاثة أيام ،وهو يناظرهم ويظهر عليهم بالحجج القاطعة ،ويقول أعطوني دليلاً من كتاب الله أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المعتصم قهرنا أحمد ،وتحدث الوشاة عنده من علماء السوء ،أنه قد غلب خليفتين ،فأخذته العزة بالإثم ،فشتمه وهدده بالقتل ،فقال الإمام أحمد: يا أمير المؤمنين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل دمُ امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث)) فبم تستحل دمي وأنا لم آت شيئاً من هذا ،يا أمير المؤمنين تذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل ،كوقوفي بين يديك ،فلما رأى المعتصم ثبوت الإمام أحمد وتصميمه ،لان ،فخشى ابن أبي دؤاد من رأفته عليه ،فقال: يا أمير المؤمنين ،إن تركته قِيل إنك تركت مذهب المأمون ،أو أن يقال ،غلب خليفتين ،فهاجه ذلك ،ثم أعيد إلى السجن مرة أخرى ،وأخرج في رمضان وهو صائم وجعلوا والعياذ بالله يضربونه ،وأتى المعتصم بجلادين كلما ضرب أحدهم الإمام أحمد سوطين ،تأخر وتقدم الآخر ،والمعتصم يحرضهم على التشديد في الضرب ،وهو يقول شدوا عليه قطع الله أيديكم ،ثم نزل المعتصم من كرسيه وجاء للإمام أحمد ،وهو يقول له ،قل بما قلت لك بأن القرآن مخلوق ،فيقول الإمام أحمد: أعطوني دليلاً من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به. راجع: تاريخ الطبري 7/332.
#أبو_زياد_النحوي
تعليقات
إرسال تعليق