(35) عقيدة أهل السنة و الجماعة ..
✳️باب : ذكر من ضل في أبواب التوحيد ..
🔸الأشاعرة ..
▪️أولا : التعريف بالأشاعرةِ و أشهر شيوخها ..
🔺الأشاعرة هم الامتداد الحقيقيُّ للمعتزلة و إنْ خالفوهم في بعض المسائل ، والصفة الجامعة للمعتزلة و الأشاعرة هي :
1⃣ـ أنهما من المعطلة : لأنَّهما نفاة في باب الصفات على طريقة الجهمية ، و إنْ كانت درجة النَّفي تختلف من الجهمية إلى المعتزلة و الأشاعرة ، فالجهمية : نفاة محضة : نفوا كل أسماء الله وصفاته ، و المعتزلة : أثبتوا لله أربع صفات : الوجود و الحياة و العلم و القدرة ، و الأشاعرة : أثبتوا لله سبع صفات : الحياة و العلم و القدرة و الكلام النَّفسي و الإرادة و السمع و البصر ،
2⃣ـ أنَّهما من أهل الكلام و الفلسفة : فكلٌّ من المعتزلة و الأشاعرة قد اتخذ من الفلسفة اليونانية مصدرا في إثبات العقيدة و الرد على المخالف بحجج العقل التي أثبتها أفلوطين و أرسطو وغيرهم من الفلاسفة ، و لذلك فهم عقلانيون كما سيأتي ..
🍃على كلِّ حالٍ نقول : من هم الأشاعرة من حيث النَّسبةِ العامة ؟
والجواب :هم أتباع أبي الحسن الأشعري الذي ترك المعتزلة بعد أنْ كان من شيوخها ، وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في إثبات العقائد الدينية و في الردِّ على خصومهم ، و الأشاعرة لهم صولاتٌ وجولاتٌ في الردِّ على النَّصارى و غيرهم من خصوم الإسلام و لهم مواقف تُحسبُ لهم لا ينكرها منصفٌ عادلٌ من أهل السنَّةِ كما سيأتي ...
▪️ثانيا : من هو أبو الحسن الأشعري ؟ ..
🍃وُلِدَ أبو الحسن في سنة 260 هـ و توفي 324 هــ ، و لقبُه الأشعري نسبة إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، وأبو الحسن اسمه علي بن اسماعيل ،و نشير هنا إلى مراحل حياة أبي الحسن و هي ثلاث مراحل :
▫️المرحلة الأولى : نشأ أبو الحسن الأشعري في بيت أبي علي الجُبائي شيخ المعتزلة و أكبر رؤوسها ولازمه أربعين عاما ، و شرب منه الاعتزال المحض حتى صار أكبر مُناظرٍ عن عقيدة المعتزلة ، و كان بارعا في الفلسفة اليونانية و المنطق و الجدل ، و كان ينوب عن الجُبائي في المناظرات ..
▫️المرحلة الثانية : رجوع أبي الحسن الأشعري عن عقيدة الاعتزال و اتباعه عقيدة عبدالله بن سعيد بن كُلاَّب ( بضم الكاف و تشديد اللام ) و ابنُ كُلاَّب هو زعيم فرقة الكُلاَّبيةِ ،والكُلاَّبية يقولون بتأويل النصوص بما يتفق مع أحكام العقل، وإثبات الصفات السبع عن طريق العقل: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، أما الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها.
▫️المرحلة الثالثة : رجوع أبي الحسن الأشعري إلى عقيدة السلف و القول بإثبات الصفات و له كتاب الإبانة عن أصول الدِّيانة صرح فيه بعموم عقيدة السلف ، لكن لم يكن رجوعه كاملا ، كان فيه شوْبٌ من آثار الاعتزال و الكُلاَّبيةِ ،ولذلك الأشاعرة ينكرون رجوعه لعقيدة السلف و هذا يؤيده بعض أهل السنة ،لكن غالب علماء السنة يقرون رجوعه رحمه الله ..
🍃قال شيخ الإسلام رحمه الله :
"فلما كان في كلامه شَوْبٌ من هذا وشوب من هذا، صار يقول من يقول: إن فيه نوعا من التجهم. وأما من قال: إن قوله قول جهم، فقد قال الباطل. ومن قال: إنه ليس فيه شيء من قول جهم، فقد قال الباطل، والله يحب الكلام بعلم وعدل، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيل الناس منازلهم." مجموع الفتاوى 12/205..
🍃فكلام شيخ الإسلام عن أبي الحسن يوضح فيه أنَّ الرجل لم يكن سلفيا محضا ،بل فيه نوع تأثر بما كان عليه ، وهذا هو العدل و الإنصاف ، و على كل حال :
رحم اللهُ أبا الحسن الأشعري و عفا عنه وغفر له ، فالعصمة ماتت بموت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ..
▪️ثالثا : شيوخ الأشاعرة ..
قبل ذكر شيوخ الأشاعرة أقول :
إنَّ بعض الأسماء المشهورة في مذهب الأشاعرة قد رجع في آخر حياته وتاب الله عليه من هذا المذهب و قال بقول أهل السنة و منهم : إمام الحرمين الجويني و أبي حامد الغزَّالي صاحب الإحياء و سيأتي ذكر ذلك في هذه المقالات ، لكن ما أريده من إخواني طلبة العلم هو : اعلموا أنَّ ربَّكم توابٌ رحيمٌ ، يقبل التوبة و يعفو ويصفح مهما كان الذنب ،و نصرتكم للسنة ليست بسبِّ عالمٍ تاب ورجع عن بدعته ، فأنصفوا و اعدلوا ،فليس على الفتنة كبير وربي ، الكلُّ مفتون إلاَّ من عصم الله و رحم ، و أنت كيف تنصر السنة ؟ هل بسبِّ أبي حامد الغزالي ؟ هل بسبِّ الجويني ؟ لا ثمَّ لا ، هذا عبث وليس نصرة للسنة ، بل سوء أدب و جهل ، نصرة السنة بتعلمها و العمل بها و نشرها و التحذير من البدعة و أهلها ، لكنَّ التحذير يكون بأدبٍ كما كان علماؤنا رحمهم الله ..
🔺على كل حال نقول : أشهر الشيوخ الذين هم العمدة عند الأشاعرة :
1⃣ـ القاضي أبو بكر الباقلاني: المتوفي سنة 402هـ ، هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، من كبار علماء الكلام، هذَّب بحوث الأشعري ، وتكلَّم في مقدمات البراهين العقلية للتوحيد وغالى فيها ، ثم انتهى إلى مذهب السلف وأثبت جميع الصفات و أبطل التأويل في كتابه: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل .
2⃣ـ أبو إسحاق الشيرازي: المتوفي 476هـ ،هو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي، العلامة المناظر، ولد في فيروز أباد بفارس وانتقل إلى شيراز، ثم البصرة ومنها إلى بغداد سنة (415هـ) . وظهر نبوغه في الفقه الشافعي وعلم الكلام ، فكان مرجعاً للطلاب ومفتياً للشافعية في عصره ..
3⃣ـ أبو حامد الغزالي: المتوفى 505هـ ، وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، صاحب إحياء علوم الدين و غيره من المؤلفات المشهورة ، رجع في آخر حياته عن عقيدة الأشعرية و مات وهو يقرأ صحيح البخاري ..
4⃣ـ أبو إسحاق الإسفراييني: المتوفى سنة 418هـ، وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، أبو إسحاق عالم بالفقه والأصول وكان يلقب بركن الدين وهو أول من لقب به من الفقهاء .
5⃣ـ إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: توفي سنة 419وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، الفقيه الشافعي ولد في بلد جوين (من نواحي نيسابور) ثم رحل إلى بغداد، فمكة حيث جاور فيها أربع سنين، وذهب إلى المدينة المنورة فأفتى ودرّس ، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء . وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، ودافع فيها عن الأشعرية فشاع ذكره في الآفاق، إلا أنه في نهاية حياته رجع إلى مذهب السلف و ذم الكلام و أظهر ندمه رحمه الله ..
6⃣ـ الفخر الرازي : توفي سنة 606هـ ، هو أبو عبد الله محمد بن عمر الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني الرازي المولد، الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي ، رجع في أواخر عمره إلى مذهب السلف ، وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في طريق علم الكلام فقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية رأيتها لا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق، طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات (الرحمن على العرش استوى) و (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه)، و أقرأ في النفي (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) و (ولا يحيطون به علماً)، ثم قال في حسرة وندامة : ومن جرب تجربتي عرف معرفتي " أهـ . من الفتى الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ...
#أبو_زياد_النحوي
تعليقات
إرسال تعليق