(40) عقيدة أهل السنة والجماعة ..
✳️باب : ذكر من ضل في أبواب التوحيد ..
🔸الأشاعرة ..
▪️خامسا : هل الحافظ ابن حجر أشعري ؟
- نذكر في هذه المسألة قولا عدلا بإذن الله ، لأن الناس في باب الحكم على شخص أو طائفة ، يحكمون بالعاطفة لا بالعقل و العلم و إدراك الواقع كما هو ..
🔺وقبل الجواب أقول :
الإمام ابن حجر - رحمه الله - له قدم صدق في الإسلام و له حسنات كبيرة لا يمكن إنكارها و لا التعامي عنها ، و يكفيه أن العلماء قالوا في كتابه فتح الباري : « لا هجرة بعد الفتح » لأنه شرح لا نظير له في كثرة فوائده و اشتماله على جملة من علوم الشريعة ، و على هذا أقول : مهما يكن الحكم الذي سأقرره في هذه المسألة ، فإن ابن حجر سيظل قامة علمية كبيرة لا يضره كلام الخلق فيه ، وهو إمام عالم له وعليه و العصمة ماتت بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..
🔵و أما الجواب عن مسألتنا :
هل الحافظ ابن حجر أشعري ؟ نقول : لو أن فقيها شافعيا أخذ بقول الإمام أحمد في بعض المسائل ، هل نقول إنه صار حنبليا ؟ أم نقول إنه شافعي له موافقات للحنابلة ؟ لاشك أنه الثاني ، نقول هو فقيه شافعي وافق الحنابلة في أمور ولم يخرج عن كونه شافعيا ..
🔵و الذي ينظر في شروحات الحافظ ابن حجر - رحمه الله - لا يستطيع أن يجزم بنسبته إلى طائفة معينة ، فله كلام يوافق فيه أهل السنة و الحديث ، وهذا ما جعل أهل السنة ينسبونه إليهم وينفون عنه تهمة الأشعرية ، وله كلام يوافق فيه الأشاعرة ، و هذا ما جعل الأشاعرة ينسبونه إليهم ، و له كلام يوافق المفوضة كابن قدامة والقاضي أبي يعلى و كثير من الحنابلة ، فإن الحنابلة قد شاع فيهم التفويض ...
🔹و من موافقات الإمام ابن حجر لأهل السنة ما يلي :
1⃣- موافقته لأهل السنة في مسألة مصدر التلقي و مخالفته للأشاعرة ..
وفي ذلك يقول رحمه الله : ((أما بعد فإن أولى ما صرفت فيه نفائس الأيام وأعلى ما خص بمزيد الإهتمام الإشتغال بالعلوم الشرعية المتلقاة عن خير البرية ولا يرتاب عاقل في أن مدارها على كتاب الله المقتفى وسنة نبيه المصطفى وأن باقي العلوم أما الات لفهمهما وهي الضالة المطلوبة أو أجنبية عنهما وهي الضارة المغلوبة )) مقدمة الفتح : 1/ 3.
🔵فتقديمه للكتاب والسنة هو عين كلام أهل السنة والأثر ، و هذا يخالف عقيدة الأشاعرة القائلين بتقديم العقل على الشرع ..
2⃣- إنكاره على الفخر الرازي اتباعه للفلاسفة ، فقال : ((والفخر كان من أئمة الأصول وكتبه في الأصلين شهيرة سائرة وله ما يقبل وما يرد )) لسان الميزان له : 6/318.
وقال رحمه الله : ((ورأيت في الإكسير في علم التفسير للنجم الطوفي ما ملخصه ما رأيت في التفاسير أجمع لغالب علم التفسير من القرطبي ومن تفسير الإمام فخر الدين إلا أنه كثير العيوب فحدثني شرف الدين النصيبي عن شيخه سراج الدين السرميا حي المغربي أنه صنف كتاب المآخذ في مجلدين بين فيهما ما في تفسير الفخر من الزيف والبهرج وكان ينقم عليه كثيرا)) المصدر السابق.
وقال ((وقال بصحة الاعراض وبنفي صفات الله الحقيقية وزعم أنها مجرد نسب وإضافات كقول الفلاسفة وسلك طريق أرسطو في دليل التمانع )) لسان الميزان لابن حجر: 6/320
3⃣- إثباته لصفات الله من غير تأويل : ((قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب العقيدة له أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل إذ لولا أخبار الله ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى .
🔵قال الطيبي هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح وقال غيره لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن أحد من أصحابه من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك ولا المنع من ذكره ومن المحال أن يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه وينزل عليه اليوم أكملت لكم دينكم ثم يترك هذا الباب فلا يميز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز مع حضه على التبليغ عنه بقوله ليبلغ الشاهد الغائب حتى نقلوا أقواله وأفعاله وأحواله وصفاته وما فعل بحضرته فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده الله منها ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى ليس كمثله شيء فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم فقد خالف سبيلهم وبالله التوفيق)) فتح الباري لابن حجر : 13/390.
4⃣- إثباته لكلام الله تعالى ورده ما سواه بالإجمـــاع: وفي ذلك قال رحمه الله : ((وأجمع السلف والخلف من أهل السنة وغيرهم على أن كلم هنا من الكلام ونقل الكشاف عن بدع بعض التفاسير أنه من الكلم بمعنى الجرح وهو مردود بالإجماع المذكور)) فتح الباري: 13/479.
🔵وقال رحمه الله : ((وأورد البخاري في كتاب خلق أفعال العباد أن خالد بن عبد الله القسري قال إني مضحي بالجعد بن درهم فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما وتقدم في أول التوحيد أن سلم بن أحوز قتل جهم بن صفوان لأنه أنكر أن الله كلم موسى تكليما)) المصدر السابق نفس الصفحة .
🔵- إنكاره على المتأولين ونعته تأويلهم بالتحريف: وفي ذلك قال رحمه الله : (قوله ينزل ربنا إلى السماء الدنيا استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضى إلى التحيز تعالى الله عن ذلك وقد اختلف في معنى النزول على أقوال فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة والعجب إنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث أما جهلا وأما عنادا ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف)) فتح الباري لابن حجر : 3/ 30..
لكن الذي يظهر هنا هو ميوله إلى التفويض ..
6⃣- تشنيعه على من نفى الصفات بحجة استلزام التشبيه ثم الإشادة بمذهب أهل السنة : وفي ذلك قال رحمه الله : ((وقد سمي المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي الصفات الإلهية لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه ومن شبه الله بخلقه أشرك وهم في النفي موافقون للجهميةوأما أهل السنة ففسروا التوحيد بنفي التشبيه والتعطيل)) فتح الباري:13/344.
🔵وقال رحمه الله : ((وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات حتى قالوا إن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق)) فتح الباري:13/345.
7⃣- وقال الحافظ (13/469) ((وقالت الأشاعرة كلام الله ليس بحرف ولا صوت وأثبتت الكلام النفسي، وحقيقته معنى قائم بالنفس وإن اختلفت عنه العبارة كالعربية والعجمية، واختلافها لا يدل على اختلاف المعبر عنه، والكلام النفسي هو ذلك المعبر عنه، وأثبتت الحنابلة أن الله متكلم بحرف وصوت، أما الحروف فللتصريح بها في ظاهر القرآن، وأما الصوت فمن منع قال إن الصوت هو الهواء المنقطع المسموع من الحجرة، وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف بذلك هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر، وصفات الرب بخلاف ذلك فلا يلزم المحذور المذكور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه، وأنه يجوز أن يكون من غير الحنجرة فلا يلزم التشبيه، وقد قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل في كتاب السنة سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت، فقال لي أبي: بل تكلم بصوت، هذه الأحاديث تروى كما جاءت وذكر حديث ابن مسعود وغيره))
🔵هذه بعض النقولات التي يظهر فيها موافقته الظاهرة لأهل السنة و مخالفته للأشاعرة ، و لكن القارئ يلاحظ شيئا وهو : أنه لا يتبنى عقيدة أهل السنة و يصرح بصحتها و يبطل ما سواها ، ونحن تعودنا من علماء السنة التصريح ببطلان كل ما سوى أصول أهل السنة ، فهذه تظهر لي في كلامه عفا الله عنه ، و لعلي أكون واهما في ذلك ..
🔵ومن كلام ابن حجر الذي وافق فيه الأشاعرة تأويله للصفات و صرفها عن ظاهرها و تصريحها بالمجاز :
1⃣- تأويل العين واليد والوجه :
قال الحافظ 13/401-402: "والثاني: أن العين كناية عن صفة البصر، واليد كناية عن صفة القدرة، والوجه كناية عن صفة الوجود.
2⃣- تأويل اليدين :قال الحافظ 13/405: "وقال غيره: هذا يساق مساق التمثيل للتقريب؛ لأنه عهد أن من اعتنى بشيء واهتم به باشره بيديه، فيستفاد من ذلك أن العناية بخلق آدم كانت أتم من العناية بخلق غيره…"اهـ.
3⃣- نعته لمن خالفه بالمجسمة في قضية الاستواء قال الحافظ 13/416: "وقالت الجسمية: معناه الاستقرار"اهـ.
4⃣- قال الحافظ (10 / 258) على حديث رقم 5788
"قوله: (لا ينظر الله) أي لا يرحمه؛ فالنظر إذا أضيف إلى الله كان مجازًا، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة..
5⃣- قال الحافظ 7 / 145 على حديث رقم ( 3827) قال: " والمراد بغضب الله إرادة إيصال العقاب ..
- فهذه بعض النقولات التي تثبت قوله بقول الأشاعرة في تأويل الصفات ، و مخالفته لمذهب أهل السنة ..
🔺لكن يظهر في بعض كلامه ميوله إلى التفويض ، حتى النقولات التي نستدل بها على أنه من اهل السنة ليست صريحة في ذلك ، بل هي أقرب إلى التفويض..
قال الحافظ في المقدمة ص 136 :
1⃣- قـــوله " استوى على العرش " هو من المتشابه الذي يفوض علمه إلى الله تعالى ، ووقع تفسيره في الأصل .اهـ
و الذي قصده ابن حجر هو تفويض المعنى لا الكيف ، يعني : إثبات اللفظ و عدم التعرض للمعني ، وهذا قول المفوصة كأبي يعلى الحنبلي و غيره ..
🔘على كل حال أقول :
من قال إنه من أهل السنة فسيجد من كلامه ما يؤيد ذلك ، و من قال إنه أشعري فسيجد الكثير من كلامه يؤيده ، و كذلك من قال هو مفوض كما قال الشيخ سفرالحوالي وغيره ...
🔳إذن نقول : ابن حجر مع أي الطوائف ؟
وجوابي الذي ارتضيه لنفسي بعد بحث وتدقيق هو : أن الإمام ابن حجر - عفا الله عنه - من المفوضة وليس اشعريا و إن كانت له موافقات كثيرة للأشاعرة ، و كذلك لا ننسبه لصريح معتقد أهل السنة ، مع أنه وافق أهل السنة في أمور كثيرة ، لكن الإمام - رحمه الله - لم يتخذ أصول أهل السنة عقيدة له و يدافع عنها و يبطل ما سواها حتى نقول إنه إمام من أئمة مذهب السنة كابن تيمية مثلا او ابن القيم ، و كذلك لم يهاجم أهل السنة و يصرح بنصرة الاشاعرة و ينتصر لأصولهم ، بل هو بين السنة و الأشاعرة و المفوضة ، فالخلاصة نقول : ابن حجر من المفوضة و هذا كابن قدامة و القاضي أبي يعلى و ابن عقيل ، و إن كان ابن قدامة أصح اصولا من ابن حجر ، عفا الله الجميع ..
#أبو_زياد_النحوي
تعليقات
إرسال تعليق