(47)عقيدة أهل السنة والجماعة ..
✳️الركن الثالث : الإيمان بالكتب الإلهية ..
🔸الإيمان بالكتب له صفتان :
🔳الأولى : مجملة ، وهي الاعتقاد بأن الله سبحانه أنزل كتبا على رسله الكرام ،فيها بيان الطريق الموصلة إلى الله تعالى ، و أن هذه الكتب منها ما سماه الله لنا كالتوراة و منها مالم يسمه لنا ولكننا نؤمن به ، وأن القرءان هو آخر هذه الكتب و ناسخها جميعها ، و أنه بنزول القراءن وجب على العالمين الإيمان به و تصديقه و العمل به في كل شئون الحياة ...
🔳والثاني : صفة مفصلة ، وهي معرفة ما ورد في شأن هذه الكتاب من خلال القرءان و ما صح من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و معرفة أوامر الله ونواهيه ، و ما يحبه وما يكرهه وغير ذلك من تفاصيل الإيمان ...
🔴قال العلماء : ما نعلمه من هذه الكتب :
▪️أ ـ التوراة: التي أنزلها الله تعالى على موسى صلى الله عليه وسلّم، وهي أعظم كتب بني إسرائيل {فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالاَْحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ} [المائدة: 44].
▪️ب ـ الإِنجيل: الذي أنزله الله تعالى على عيسى صلى الله عليه وسلّم، وهو مصدق للتوراة ومتمم لها {وَءَاتَيْنَـهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } [المائدة: 46] {وَلاُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50].
▪️جـ ـ الزبور: الذي آتاه الله تعالى داود صلى الله عليه وسلّم.
▪️د ـ صحف إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام.
▪️هـ ـ القرآن العظيم: الذي أنزله الله على نبيه محمد خاتم النبيين {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] فكان {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة: 48] فنسخ الله به جميع الكتب السابقة وتكفّل بحفظه عن عبث العابثين وزيغ المحرفين {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـفِظُونَ } [الحجر: 9] لأنه سيبقى حجّة على الناس أجمعين إلى يوم القيامة.
أما الكتب السابقة فإنها مؤقتة بأمد ينتهي بنزول ما ينسخها ويبيِّن ما حصل فيها من تحريف وتغيير؛ ولهذا لم تكن معصومة منه، فقد وقع فيها التحريف والزيادة والنقص.
{مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} [النساء: 46].
{فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } [البقرة: 79].
{قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَـابَ الَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراَطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} [الأنعام: 91].
{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَـابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 78، 79].
{يَـأَهْلَ الْكِتَـابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَـابِ} إلى قوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 15، 17].
🔵و من المسائل المتعلقة بهذا الباب : مسألة كتابة التوراة ، هل كتبها الله بيده ؟
☑️نعم ، كتب الله التوراة بيده ، كما في الحديث الصحيح:« قال آدم لموسى : اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده » أخرجه البخاري ومسلم ...
⚪️وفي كتاب التنبيه والرد 1/133 للملطي قال عكرمة :إن الله تعالى خلق آدم بيده كرامة لابن آدم و غرس الجنة بيده كرامة لابن آدم وكتب التوراة بيده وخلق السموات والأرضين وكل شيء خلقه في ستة أيام ...
🔹قال العلماء : المعروف عند السلف ، أنها [أي الكتب السماوية] من كلام الله. ولهذا يقولون: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن كلها غير مخلوقة، منزلة غير مخلوقة، لكن التوراة ذكر العلماء أن الله كتبها بيده، وقال الله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ}، فإذا جعلنا الكتابة بمنزلة القول كما هو الواقع في المعاملات وغيرها، صارت مكتوبة، كتبها الله بيده. لكن لا نعلم هل تكلم بها عز وجل، أو أن موسى أخذها مكتوبة.
🔴فالتوراة هي كلام الله تعالى ، لكن هل تكلم الله بها و كتبها ، أو كتبها ، هذا لا نعلمه ، لكن هي كلامه سبحانه ..
🔺وهل هناك فرق بين التوراة و صحف موسى و الألواح ؟ أم هي شئ واحد ؟
🔵قال العلماء في جواب ذلك :
التوراة إنما أنزلها الله بعد هلاك فرعون وإغراقه، قال الله: « وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » [القصص:43]، ولم يهلك الله أمة إلا قبل نزول التوراة بثلاثين عام، أما بعد نزول التوراة فقد رفع الله العذاب العام، فدل هذا على أن الألواح كانت قبل نزول التوراة، وأنزل الله على إبراهيم وموسى صحفاً، قال تعالى: « إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى » [الأعلى:18-19]، وهي غير التوراة، والتوراة إنما نزلت بعد ذلك، والتوراة والألواح التي كتبها الله وأنزلها على موسى بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل، وكان هذا بعد هلاك فرعون، وذلك لما ذهب موسى لملاقاة ربه عز وجل أربعين ليلة، واستخلف أخاه هارون، وهو نبي مثله قال: « اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» [الأعراف:142]، فجاء السامري فصنع لهم من الحلي عجلاً له خوار، وقالوا: « هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ »[طه:88] فعبدوه فنهاهم هارون ومنعهم؛ فلم يقبلوا كلامه، وأرادوا قتله كما قال تعالى: « قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى » [طه:91]، فلما جاء موسى ووجدهم يعبدون العجل غضب غضباً شديداً وألقى الألواح حتى تكسرت من شدة الغضب، وهذا فيه دليل على أنه ليس من رأى كمن سمع، ففي الأول أخبره الله أنهم عبدوا العجل لكنه لم يغضب هذا الغضب الشديد إلا عندما رآهم بعينه يعبدون العجل، وقد عفا الله تعالى عنه مع كونه ألقى الألواح -وفيها كلام الله- حتى تكسرت من شدة الغضب، ثم أخذ برأس أخيه هارون -وهو نبي كريم مثله- وجره برأسه ولحيته لأنه تركهم يعبدون العجل قال تعالى: « قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي » [طه:94]، وقال تعالى: « إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي » [الأعراف:150] يقول: ما قصرت،« لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي » [طه:94]، « إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي »و[الأعراف:150] فقد نصحتهم، لكنهم ما قبلوا وأرادوا قتلي، « قَالَ يَبْنَؤُمَّ » [طه:94] وهذا من باب الاستعطاف وإلا فهو أخوه لأبيه وأمه. فيحتمل والله أعلم أنها التوراة؛ لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وعبادتهم العجل، والله تعالى عفا عنه؛ لأن له مكانة ومنزلة عند الله؛ لأن إلقاء الألواح وفيها كلام الله حتى تتكسر ذنب عظيم.
#أبو_زياد_النحوي
تعليقات
إرسال تعليق