(١٤) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...


💠 ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...

♻️التَّكْفيِرُ المُرَادُ بِهِ نِسْبَةُ العَبْدِ إلى الكُفْرِ ، لأنَّ التَّفْعِيلَ يأتي في لُغَةِ العَرَبِ للنِّسْبَةِ ، يعني : نِسبةُ الشَيئِ إلى صفةٍ مَّا ، و لِذَلِكَ لابُدَّ أنْ يَقَعَ في الكُفرِ على الحقيقةِ حتَّى تَصِحَّ النسبةُ ...

♻️يُقَالُ : كَفَّرَهُ أي : نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ ، و الكُفْرُ هوَ الوصَفُ الذي يَلْحَقُ بمَنْ تَلَبَّسَ بِهِ ، و يكونُ بالقَوْلِ والفِعْلِ و الاعْتِقَادِ ...

♻️والذي يَنسِبُ النَّاسَ إلى الكُفرِ إمَّا أنْ يكونَ عالماً بهِ ، ضَابِطاً لأبوابِهِ ، مُدْرِكاً لِشَرْطِهِ ، فهذا لا إشكالَ في تَصَدِّيهِ لذلكَ ، و إمَّا أنْ يكونَ جاهلاً بِهِ و بشرطِهِ و أحكامِهِ ، فهذا يَحرُمُ عليهِ إطلاقُ وصفِ الكُفرِ على أي أحدٍ من النَّاسِ ..

♻️لذلك الذي يَتَعَرَّضُ لأبوابِ التَّكْفِيرِ يَحتَاجُ جُمْلَةً من القَواعِدِ والضَوابِطِ يَستَصْحِبُهَا في إطلاقَاتِهِ ، تَجَنُّباً للخَطأِ في هذِهِ الأبوابِ ، و من هذِهِ القواعدِ ما يلي : 

🔷القَاعِدَةُ الأولى : لا نُكَفِّرُ إلاَّ مَنْ كَفَّرَهُ اللهُ ورَسُولُهُ ...

♻️لأنَّ التَّكْفيرَ حُكْمٌ شرعيٌ ، و إذا كانَ حُكْماً شَرْعِياً ، فإنَّهُ لا يَحِلُّ لأحدٍ أنْ يُطْلِقَهُ إلاَّ بنصٍ أو إجماعٍ ، و أنْ يكونَ الشَّخْصُ المُكَفَّرُ قد وقعَ في الكُفرِ حقيقةً ، و انْتَفَتْ في حَقِّهِ موانعُ التَّكْفيرِ و ثَبَتَتْ شُرُوطُهُ ..

♻️قالَ تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا
تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " النساء: 94 ، روى البخاريُّ عن ابن عباسٍ قالّ : مَرَّ رجلٌ من سُلَيم على نفرٍ من أصحابِ رسولِ الله ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ و معه غنمٌ له ، فسلَّمَ عليهم ، فقالوا : ما سَلَّمَ عليكم إلاَّ لِيَتَعوَّذَ منكم ، فقاموا إليه فقتلوه ، و آخذوا غنمه ،و آتوا بها رسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فنزلت الآية ... أهــ.

♻️و هذهِ الآيةُ نزلت في الكافرِ الأصلي الذي يُظهرُ شيئاً من خصَائصِ المسلمين ، وهنا سَلَّمَ الرَّجلُ على أصحابِ رسول الله ـ صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ ـ والسلامُ من سماتِ المسلمين ، حينئذٍ أشكلَ الأمرُ، قد يكونُ الرَّجلُ مسلماً ، لأنَّه أظهر خصيصةً من خصائصِ أهلِ الإسلامِ ، و قد يكونُ كافراً ، هنا وجبَ التَثَبُّتُ قبلَ إنزالِ الحكمِ ، فَنَزَلَتْ الآيةُ تأمرُ بالتثبتِ قبلَ الحكمِ بالكفرِ ...  

♻️وإلقاءُ السَّلامِ لا يَثبُتُ بهِ وصفُ الإسْلامِ ، لأنَّه لابُدَّ من النُّطْقِ بالشَّهَادَتينِ إجماعاً ، لكنْ لمَّا كانت تحيةُ أهلِ الإسلامِ السَّلامَ ،.حينئذٍ يأتي الإشكالُ : هل هو مُسلمٌ أم لازالَ على كُفْرِهِ ؟  فلذلك كان الواجبُ الكَفَّ عن الرَّجلِ و التثبتَ ، فإذا ظهرَ خلافُ ذلك فنحكمُ بالكفرِ ، و نرُدُّ الأمرَ إلى الأصلِ و هنا يكونُ الحكمُ يقينياً، و يزولُ الإشكالُ ، وهذا بخلافِ من كانَ مسلماً فإنَّه لا يدخل في هذه الصورةِ ، فهذهِ صورةُ مَنْ كانَ كافراً أصلياً ...

🔴قالَ الحافظُ ابنُ حجر : وفي الآية دليل على أنّ من أظهرَ شيئاً من علاماتِ الإسلامِ ، لم يَحِلّ دمُهُ حتّى يُخْتَبَرَ أمْرُهُ، لأنّ السّلامَ تحيّةُ المسلمين، وكانت تحيّتهم في الجاهليّة بخلاف ذلك، فكانت هذه علامة ..  أ هــ فتح البارس جـ 8/259 ... 

🔴ثم قالَ الحافظ في نفس  السياقِ : ولا يَلزمُ من الذي ذكرتُه الحكمُ بإسلامِ من اقتصرَ على ذلك، وإجراءِ أحكامِ المسلمين عليه، بل لا بُدَّ من التلفظِ بالشهادتينِ .. أهــ. الفتح ..

🔴وقال الإمامُ ابنُ جرير رحمه الله:
( فَتَبَيَّنُوا) فتأنّوا في قتلِ مِنْ أشْكَلَ عليكم أمرُهُ، فَلَمْ تَعْلَمُوا حقيقةَ إسلامِهِ ولا كفرِهِ، ولا تَعْجَلوا فتقتلوا مِنْ الْتَبَسَ عليكم أمرُهُ، ولا تُقْدِمُوا على قتلِ أحدٍ، إلاّ على قتلِ مَنْ
عَلِمْتُمُوهُ يقيناً حرباً لكم وللهِ ولرسولِهِ ..أ هـــ جامع البيان عن تأويل آي القرآن جـ5/221...

🔴و ذًكَرَ ابنُ العَرَبي في أحكامَ القرآنِ عن ابنِ القَاسِمِ  قال: سَمعْتُ مالكاً يقولُ : إنَّ رجلاً من المسلمين في مغازي النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حَمَلَ على رجلٍ من المشركين ; فلمَّا عَلاه بالسَّيفِ قالَ المشركُ : لا إلهَ إلاَّ اللهُ ، فقالَ الرَّجلُ : إنَّما يَتَعَوَّذُ بها من القتلِ ; فأتى إلى رسولِ اللهِ ـ صلى الله عليه ـ وسلم فأخبرَهُ ، فقالَ له النبي صلى الله عليه وسلم : كَيفَ لك بلا إلهَ إلاَّ اللهُ ؟ قالَ : يا رسولَ اللهِ ، إنَّما يَتَعَوَّذُ ، فما زالَ يُعيدُها عليه : كَيفَ لك بلا إلهَ إلاَّ اللهُ؟..

🔴قال ابنُ العربي : وجملةُ الأمرِ أنَّ المسلمَ إذا لقيَ الكافرَ الذي لا عهدَ له جاز َله قتلُهُ ; فإنْ قالَ له الكافرُ : " لا إله إلا الله "  لم يَجُزْ قتلُهُ ; فقد اعتصمَ بعصامِ الإسلامِ المانعِ من دمِهِ ومالِهِ وأهلِهِ ، فإنْ قتلَهُ بعدَ ذلك قُتِلَ بهِ ، وإنَّما سَقَطَ القتلُ عن هؤلاءِ لأجلِ أنَّهم كانوا في صدرِ الإسلامِ ، وتأوَّلوا أنَّه قالَهَا مُتَعَوِّذاً ، وأنَّ العاصِمَ قولُها مُطْمَئِناً، فأخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصَّحِيحِ أنَّه عاصِمٌ كيفما قالَهَا .. أ هــ..ـ

♻️و يَتَفَرَّعُ على هذا الأصل الذي ذكرناهُ مسألةُ مجهولِ الحالِ ،وهذه تأتي في موضعها إن شاء الله ...

♻️ويدلُّ على خطورةِ إطلاقِ وصفِ الكفرِ بغير مُسَوِّغٍ له قولُهُ ـ صلى الله عليه وسلَّم ـ في حديثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : " أَيُّما رَجُلٍ قالَ َلأخيهِ يا كافِرُ فَقَدْ باءَ بِها أحَدَهُما " متفق عليه  ، نقلَ ابنُ حجر قولَ القرطبي : " والحاصلُ أنَّ المَقُولَ له إنْ كانَ كافراً  كُفراً شَرعِياً فقد صدَقَ القائلُ وذهبَ بها المَقُولُ له , وإنْ لم يكن رَجعَتْ للقائلِ مَعَرَّةُ ذلك القولِ واثمِهِ  ، قال ابن حجر : وهو من أعدل الأجوبة "   فتح الباري 10 / 466...

🔺حينئذٍ يتقرّرُ معنا أصلٌ و ضابطٌ : لا نُكَفِّرُ إلاَّ مَنْ كَفَّرَهُ اللهُ ورَسُولُهُ ...

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة