(١٥) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...


💠ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...

▪️القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ : التَّفرِيقُ بين اعتِقَادِ كُفْرِالشَّخْصِ و بينَ الجَهْرِ بهِ ..

♻️وهذهِ مِن أهمَّ ما يَجِبُ الاعْتِنَاءُ بِهِا ، فالاعْتِقَادُ وَاجِبٌ ، أنْ تَعْتَقِدَ كُفْرَ  مَنْ تَلَبَّسَ بالكُفْرِ حَقِيقَةً ،لأنَّ هذا يَتَعَلَّقُ بِأصْلِ الإيمَانِ والإسْلَامِ ، وأصْلُ الإيمانِ هو تَصْدِيقُ الرسولِ ـ صلى اللهُ علي وسلَّمَ ـ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ عَزّ وَجَلَّ ، وقَد أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ  ـ صلى اللهُ علي وسلَّمَ ـ بِكُفْرِ طَوَائِفَ من النَّاسِ ,وجاءَ ذلكَ في القُرْءَانِ والسنَّةِ مَنصُوصاً عليهِ ، حينئذٍ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ كُفرَهُم فهو مُكَذِّبٌ للنَّصِّ و هذا كفرُ التَكْذِيبِ ، و كذلكَ البَرَاءَةُ من الشَّركِ و أهلِهِ ، فإنَّ مِنْ حَقِيقَتِهَا تَكْفيرُ مَنْ عَبَدَ غَيرَاللهِ تَعالى ..

♻️و كذلكَ الكفرُ بالطَّاغُوتِ ، فإنَّه لا يتمُّ على الصَّفةِ الشَّرعيةِ إلاَّ باعْتِقَادِ كُفرِ مَنْ آمّنَ بالطاغُوتِ و كَفَرَ باللهِ ، و هل يَجِبُ الجَهرُ بذلكَ و إعلانُهُ ؟ ⏪ نقولُ : هذا يدخلُ في بابِ الأمرِ بالمعروفِ و النَّهي عن المُنكَرِ ، وهذا البابُ يَتَعَلَّقُ بالمَصلَحَةِ و المَفسدةِ ، إنْ تَرَتَّبَ على الجهرِ مفسدةٌ أكبرُ من مَصْلَحَةِ الجَهرِ ، هنا الكِتْمَانُ أَوْلَى ، و السُّكوتُ لا إثمَ فيه ...

♻️قال تعالى : {ولَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام: 108،

🔴قَالَ الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : يَنهَى اللهُ المؤمنينَ عن أمرٍ كانَ جائزاً، بل مَشْروعاً في الأصلِ،  وهو سَبُّ آلهةِ المشركينَ ، التي اتُّخِذَتْ أوثاناً وآلهةً معَ اللهِ، و التي يُتَقَرَّبُ إلى اللهِ بإهانتِها وسبِّها ، ولكنْ لمَّا كان هذا السَّبُ طريقاً إلى سبِّ المُشركينَ لربِّ العالمينَ، الذي يجبُ تنزيه جنابِهِ العظيمِ عن كل عيبٍ وآفةٍ وسبٍّ وقدحٍ، نَهَى اللهُ عن سبّ آلهةِ المشركين .. أهــ من تفسير السعدي ..

♻️فلمَّا كَانَتْ مفسدةُ الجَهرِ بسبِّ آلهةِ المُشرِكِينَ أعظمُ من مَصْلَحَةِ ذلكَ ، جاءَ النهيُّ عنه ، لا لِحُرْمتِهِ في ذاتِهِ ، بل هو مَحْبُوبٌ للربِّ جلَّ وعلا ، بل لأنَّه طريقٌ إلى وقوعِ مَفسَدةٍ أكبرُ منه , وهي سبُّ اللهِ تعالى ..

♻️ومن أدلةِ هذا الأصلِ ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: " أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ : لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلْتُ …

🔴قال الإمام النووي رحمه الله: 
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِقَوَاعِدَ مِنَ الْأَحْكَامِ مِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ أَوْ تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بيْنَ فِعْلِ الْمَصْلَحَةِ وَتَرْكِ الْمَفْسَدَةِ بُدِئَ بِالْأَهَمِّ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى - اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَنَّ نَقْضَ الْكَعْبَةِ وَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَصْلَحَةٌ وَلَكِنْ تُعَارِضُهُ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَهِيَ خَوْفُ فِتْنَةِ بَعْضِ مَنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ فَضْلِ الْكَعْبَةِ، فَيَرَوْنَ تَغْيِيرَهَا عَظِيمًا، فَتَرَكَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
شرح النووي على مسلم 9/ 89..

🔴وقال ابنُ تيمية : فإذا كانَ الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُّ عن المنكرِ مُستَلزِماً من الفَسَادِ أكثرَ مِمَّا فيِهِ من الصَّلاحِ لَمْ يَكُنْ مَشروعاً، وَقَد كَرِهَ أئمةُ السُّنَّةِ القتالَ في الفتنةِ التي يُسَمِّيها كثيرٌ من أهلِ الأهواءِ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ .أهـ.
الاستقامة ج1/330 .

♻️حينئذٍ نقولُ : يجبُ  التَّفرِيقُ بين اعتِقَادِ كُفْرِالشَّخْصِ و بينَ الجَهْرِ بهِ ، ▫️فَالأوَّلُ ركنٌ في حقيقيةِ الإيمانِ ، ▫️والثاني قَدْرٌ زائدٌ عن الركنيةِ ، قد يكونُ واجباً أو مُستحباً ، وقد يَحرُمُ أو يُكرهُ ، كلُّ ذلكِ بحسبِ حالِ الشَّخْضِ و اعتبار الملصحة والمفسدةِ ...

قناة أبي زياد النحوي العلمية:
♻️و كذلك نستدلُّ على صحةِ إسلامِ مَنْ كتمَ مُعْتَقَدَهُ و لم يُصَرِّح بتكفيرِ المُشركينَ خوفاً من أذاهم أو غير ذلك ، بقولهِ تعالى : {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} سورة الفتح : 25 ، قال ابن جرير في تفسيره (22/294)

♻️يقول تعالى ذكره: ولولا رجالٌ من أهلِ الإيمانِ ، ونساءٌ منهم، أيها المؤمنون باللهِ أنْ تطئوهم بخيلِكم ورَجِلِكُم لم تَعلمُوهم بمكة، وقد حَبَسَهُم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون من أجل ذلك الخروج إليكم فتقتلوهم، كما قال قتادة: هذا حين أراد محمدٌ وأصحابُه أنْ يدخلوا مكة ، فكان بها رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمنات ٌ، فكره الله أن يُؤذوا أو يُوطئوا بغير علم"اهـ

♻️فمَن لا يَستطيعُ الجَهرَ بتكفيرِ مَنْ كَفَّره اللهُ ورسُولُهُ ، أو الهجرةُ من بلادِهِ، لا نقولُ : إنَّه راضٍ بهذا الكفرِ، فضلاً عن أن يُقال: مُشارك فيه ..

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة