(١٦) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...


💠ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...

▪️القَاعِدَةُ الثَالِثَةُ : قَولُ العلماءِ : الكُفْرُ المُطلَقُ العامَّ لا يَسْتَلزِمُ تَكفيرَ المُعَينِ ، إلاَّ بثبوتِ شروطٍ وانتفاءِ موانعَ ، هذِهِ القَاعِدةُ لا تَنسَحِبُ على أبْوَابِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ, بَلْ تَخْتَصُّ بالمَسَائِلِ الخَفِيَّةِ ..

♻️لا يُوجَدُ عندنا ثبوتُ شروطٍ و انتفاءُ موانعَ في أبوابِ الشِّركِ  الأكبرِ ، بل كلُّ مَنْ تلَبَّسَ بالشِّركِ الأكبرِ فقد نَقَضَ أَصْلَ الدِّينِ و صَارَ مُشْرِكاً ، و لا يمنعُ من تَسْمِيَتِهِ مُشركاً مانعٌ ، فالجَهْلُ و التأويلُ و التقليدُ ليْسَتْ موانعَ في أبوابِ الشِّركِ الأكبرِ ..

🔴قالَ الإمامُ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّاب : ( إنَّ الشَّخْصَ المُعَيَّنَ إذا قَالَ مَا يُوجِبُ الكُفرَ، فَإنَّه لا يُحْكَمُ بِكُفرِهِ حتَّى تَقومَ عليهِ الحُجَّةُ التي يَكْفُرُ تاركُها، وهذا في المَسَائلِ الخَفِيةِ التي قد يَخْفَى دليلُها على بَعضِ النَّاسِ ، وأمَّا مَا يَقَعُ منهم في المسائلِ الظاهرةِ الجليةِ ، أو مَا يُعلمُ  من الدِّينِ بالضَّرورةِ ، فهذا لا يُتَوَقَّفُ في كُفرِ قائلِهِ ) الدرر السنية جـ8 :244 ...

♻️فَقَيَّدَ الإمامُ ـ رحمه الله ـ هذِهِ القَاعِدَةَ بالمسائلِ الخفيةِ ، ثمَّ قالَ : ( وأمَّا مَا يَقَعُ منهم في المسائلِ الظاهرةِ الجليةِ ، أو مَا يُعلمُ من الدِّينِ بالضَّرورةِ ، فهذا لا يُتَوَقَّفُ في كُفرِ قائلِهِ ) ، حينئذٍ ⏪ نقولُ :
هذِهِ القَاعِدَةُ فيها إطلاقٌ ، هذا الإطلاقُ مُقَيَّدٌ بماذا ؟ بالمسائلِ الخفيةِ ، فلا تَنْسَحِبُ على مَسَائِلِ الشِّركِ الأكبرِ ، أو مَا كانَ مَعْلوماً من الدِّينِ ضرورةً ..

🔴و قالَ الشَّيخُ إسحاقُ بنُ عبدِ الرحمنِ : فقد بَلغنا وسَمِعْنَا مِنْ فريقٍ مِمَّنْ يَدَّعِي العلمَ والدِّينَ ، ومِمَّنْ هو بزعمِهِ مؤتمٌ بالشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ أنَّ مَنْ أشْرَكَ باللهِ وعبدَ الأوثانَ ، لا يُطلقُ عليهِ الكفرُ والشِّركُ بعينهِ ، وذلكَ أنَّ بعضَ مَنْ شافهني منهم بذلكَ ، سَمِعَ مِنْ بعضِ الإِخْوانِ أنَّه أطلقَ الشِّركَ والكفرَ على رجلٍ دعا النَّبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ و استغاثَ بهِ ، فقالَ لَهُ الرَّجُلُ : لا تُطلِقْ عليهِ الكُفرَ حتَّى تُعَرِّفَهُ ..  
فتاوى الأئمة النجدية 3/116..

♻️فَسَمَّى الشَّيخُ إسحاقُ مَنْ قالَ :  
( لا يُطلقُ عليهِ الكفرُ والشِّركُ بعينهِ ) ،سَمَّاهُ : ( مِمَّنْ يَدَّعِي العلمَ والدِّينَ ) لماذا ؟ لأنَّ هذا ادِّعاءٌ باطلٌ ، لا دليلَ عليهِ من الكتابِ والسُّنَّةِ ، و يُفْضي إلى تعطيلِ الشَّرائعِ ...

🔴قال َالشَّيخ إسحاقُ بنُ عبدِ الرحمنِ : ومسألتُنا هذه وهي عبادةُ اللهِ وحدَهُ لا شريكَ له والبراءةُ من عبادةِ ما سواه ، وأنَّ مَنْ عبدَ معَ اللهِ غيرَه فقد أشركَ الشِّركَ الأكبرَ الذي ينقلُ عن الملةِ ، هي أصلُ الأصولِ وبها أرسلَ اللهُ الرُّسُلَ وأنزلَ الكتبَ ، وقامَت على النَّاسِ الحجةُ بالرسولِ وبالقرآنِ ، وهكذا تجدُ الجوابَ من أئمةِ الدِّينِ في ذلك الأصل عندَ تكفيرِ مَنْ أشركَ باللهِ ، فإنَّه يُستتابُ ، فإنْ تابَ وإلاّ قُتِلَ ، لا يَذكرونَ التَّعريفَ في مسائلِ الأصولِ ، إنَّما يذكرونَ التَّعريفَ في المسائلِ الخفيةِ التي قد يَخفى دليلُها على بعضِ المسلمينَ ، كمسائلَ نازعَ بها بعضُ أهلِ البدعِ كالقدريةِ والمرجئةِ ، أو في مسألةٍ خفيةٍ كالصرفِ والعطفِ .. اهـ.رسالة تكفيرالمعين 171 ..

♻️فانظرْ إلى قولِهِ ـ رحمه الله ـ :
( إنَّما يذكرونَ التَّعريفَ في المسائلِ الخفيةِ التي قد يَخفى دليلُها على بعضِ المسلمينَ ) ، أمَّا أصلُ الدِّينِ فلا ، لأنَّ أصلَ الدِّينِ ظاهرٌ جليٌ ، فلا يحتاجُ تعريفاً ، و إذا وقعَ فيهِ الخللُ ، فمن جهةِ المُكَلَّفِ ...

🔴قالَ ابنُ تيميةَ في مجموع الفتاوى جـ 4 ص 54 : وهذا إذا كانَ في المقالاتِ الخفيةِ فقد يُقالُ إنَّه فيها مُخْطِئٌ ضالٌ لم تَقُمْ عليهِ الحُجَّةُ التي يَكفُرُ صاحبُها ، لكنَّ ذلكَ يقعُ في طوائفَ منهم في الأمورِ الظَّاهرةِ التي تَعلمُ العامَّةُ والخاصَّةُ أنَّها من دينِ المسلمينَ ، بل اليهودُ والنَّصارى يعلمونَ أنَّ مُحَمَّداًـ صلى الله عليه وسلم ـ بُعِثَ بها ، وكَفَّرَ  مُخَالِفِهَا ،  مثلُ أمرِهِ بعبادةِ اللهِ وحدَه لا شريك له ، ونهيُهُ عن عبادةِ أحدٍ سوى اللهِ من الملائكةِ والنَّبيينَ والشَّمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلكَ ، فإنَّ هذا أظهرُ شعائرِ الإسلامِ ، ثمَّ قال : ثمَّ تَجِدُ كثيراً من رؤسائِهم وقعوا في هذِهِ الأمورِ فكانوا مرتدين" أهـ المجموع ...

♻️و قد نقلتُ كلامَ شيخِ الإسلامِ لأنَّه أشهرُ مَنْ تكلَّم في قاعدةِ ثبوتِ الشِّروطِ وانتفاءِ الموانعِ ، و قد ظنَّ كثيرٌ من النَّاسِ أنَّ ابن تيميةَ أطلقَ القاعدةَ في المسائلِ الظاهرةِ و  الخفيةِ على حدٍ سواءٍ ، والإمام براءٌ من هذا الإطلاقِ ، بل هذا إطلاقٌ عامٌّ يُرادُ بهِ خاصٌ ...

🔴وقالَ الإمامُ محمدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ بعدما نقلَ كلامَ ابنَ تيميةَ في التفريق بين المقالات الظاهرة والخفية: (فانْظُرْ كلامَهُ في التَّفرقةِ بينِ المَقَالاتِ الخفيةِ، وبينَ ما نحنُ فيهِ ، في كفرِ المُعَينِ، وتأمَّلْ تَكفيرَه
رؤوسَهُم فلاناً وفلاناً بأعيانِهم، وردتِهم ردةً صريحةً، وتأمَّل تصريَحَه بحكايةِ الإجماعِ على ردةِ الفخرِ الرازي عن الإسلامِ ، معَ كونِهِ عندَ علمائِكم من الأئمةِ الأربعةِ؛ هل يُنَاسِبُ هذا لِمَا فَهِمْتَ من كلامِهِ أنَّ المُعَيَّنَ لا يَكفُرُ، ولو دعَا عبدَ القادرِ في الرخاءِ والشَّدَّةِ ، ولو أحبَّ عبدَ اللهِ بنَ عون، وزعمَ أنَّ دينَه حسنٌ ، مع عبادته أبي حديد).. ا. هـ [الدرر السنية 10/71 ..

🔴وقالَ الشَّيخُ عبدُ الرحمنِ بنُ حسنِ بعدَ نقلِ كلامِ ابن تيمية أيضاً: فانظُر إلى تفريقِهِ بينَ المقالاتِ الخفيةِ ، والأمورِ الظاهرةِ ، فقالَ في المقالاتِ الخفيةِ التي هي كفر: قد يُقالُ: إنَّه فيها مخطئٌ ضالٌ لم تَقُم عليه الحُجَّةُ التي يَكْفُرُ صاحبُها ، ولم يَقُلْ ذلكَ في الأمورِ الظاهرةِ؛ بل قال: ثمَّ تَجِدُ كثيراً من رؤوسِهم وقعوا في هذه الأمورِ، فكانوا مُرتدين ، فَحَكَمَ بردتِهم مُطلقاً، ولم يَتوقفْ في الجاهلِ فكلامُه ظاهرٌ في التَّفرقةِ بين الأمورِ المُكَفِّرَةِ الخفيةِ ، كالجهلِ ببعضِ الصفاتِ ونحوها ، فلا يَكفُرُ بها الجاهلُ، كقولِهِ للجهميةِ: أنتُمْ عندي لا تكفرون لأنَّكم جهَّالٌ ..أ هـ الدرر السنية 10/355 ..

🔴قالَ الشَّيخُ عبدُ اللهِ بنُ عبدِالرَّحمنِ أبو بطين مفتي الديارِ النَّجديةِ في زمنِهِ في رسالةٍ رداً على مَنْ نَسَبَ إلى شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ أنَّه لا يُكَفِّرُ المُعَيَّنَ ، ⏪قالَ : وقولُكَ إنَّ الشَّيخَ أبا العبَّاسِ ابنَ تيميةَ يقولُ : إنَّ مَنْ فعلَ شيئاً من هذهِ الأمورِ الشَّركيةِ لا يُطلقُ عليه أنَّه كافرٌ مُشرِكٌ حتَّى تقومَ عليهِ الحُجَّةُ الرِسَاليَّةِ فهو لم يَقُلْ ذلكَ في الشِّركِ الأكبرِ ، وعبادةِ غيرِ اللهِ ونحوهِ من الكفرِ ، وإنَّما قالَ هذا في المقالاتِ الخفيةِ .أهـ..

♻️رسالةٌ في بيانِ الشِّركِ وعدمِ إعذارِ جاهلِهِ وثبوتِ قيامِ الحُجَّةِ عليه للشَّيخِ أبي بطين ص 33 ...

🔴قالَ الشَّيخُ محمَّدٌ بنُ إبراهيمَ في الفتاوى : إنَّ الذين توقَّفوا في تكفيرِ المُعَينِ هو في الأشياءِ التي يَخفى دليلُها ، فلا يُكَفّرُ حتَّى تقومَ عليهِ الحُجَّةُ الرِّسَاليةِ مِنْ حيثُ الثبوتُ والدلالةُ ، فإذا أوضَحْتَ له الحُجَّة بالبيانِ الكافي كُفِّرَ سواءٌ فَهِمَ أو قالَ ما فَهِمْتُ .. من فتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم 1/74 ..

♻️إذاً ليس عندنا ثبوتُ شروطٍ ولا انتفاءُ موانعَ في مسائلِ الشِّركِ الأكبرِ ولا ما كانَ معلوماً من الدِّينِ بالضَّرورةِ ، بل هذه القاعدةُ تنسحبُ على المسائلِ الخفيةِ ، و قد نقلتُ ما يُوَضِّحُ ذلكَ من كلامِ أهلِ العلمِ ..

♻️وهذهِ الشبهةُ قَامَتْ على إشكالين :

▪الأولِ : عدمُ التفريقِ بين المسائلِ الظاهرةِ و الخفيةِ ، و قد ظهرَ من كلامِ أهل العلمِ أنَّ ثمَّةَ فرقٌ بينهما ، و سيأتي بحثٌ مستقلٌ فيها ..

▪️و الثاني : التفريقُ بين القولِ والقائلِ ، وهذهِ بدعةٌ منكرةٌ ، تُفضي إلى هَدْمِ الشَّريعةِ ، وسيأتي ذلك إن شاءالله ....

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة