(١٧) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...



💠ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...

♻️التفريقِ بين المسائلِ الظاهرةِ و الخفيةِ , وأثرُ ذلكَ في أحْكَامِ الكُفرِ ..

♻️مَسَائِلُ الشَّريعةِ إمَّا أنْ تكونَ ظاهرةً ، و إمَّا أنْ تكونَ خفيةً ،و كُلُّ مَنْ أنكرَ هذا ، فَلِأَجْلِ إطلاقِ قَاعِدَةِ ثُبُوتِ الشِّروطِ و انتفاءِ المَوَانِعِ في كُلِّ أبَوابِ التكفيرِ ، ولاشكَّ أنَّ إطلاقَ هذهِ القاعدةَ في كُلِّ الأحكامِ الشَّرعيةِ ضلالٌ كبيرٌ,ولذلكَ لو قِيلَ 
لنا : هذا رَجُلٌ سَبَّ اللهَ و رسولَهُ ، و ثَبَتَتْ في حقِّهِ التهمةُ بالسَّبِّ ، هل نَحكُمُ بكفرِهِ أم لابُدَّ مِنْ إقامةِ الحُجَّةِ عليه ؟ لاشَكَّ أنَّه كافرٌ بالإجماعِ ولا نَحتَاجُ أنْ نُقيمَ الحُجَّةَ عليهِ ، ولا نَحتَاجُ أنْ نَقولَ : لابُدَّ من تحقُّقِّ الشروطِ وانتفاءِ الموانعِ ..

♻️كذلكَ ما يتعلقُ بكلِّ أعيانِ الكفارِ كاليهودِ والنَّصارى ،ليس عندنا ثبوتُ شروطٍ ولا انتفاءُ موانعَ ، بل كونُهُ يهوديَّاً أو نصرانياً أو مجوسياً ، هذا كافٍ في تكفيرِهِ باسمِهِ وشخصِهِ ..

♻️حِينَئذٍ نقولُ : طَرْدُ هذِهِ القَاعِدَةِ و إطلاقُها ، بأنَّ كلَّ مَنْ  تَلَبَّسَ بِكُفرٍ ،لن يُنَزّلَ عليه الحكمُ الشَّرعيُّ ، الذي هو الكفرُ والرِّدَّةُ والشِّركُ ونحو ذلكَ ، ⏪نقولُ : هذا ضلالٌ و ابتداعٌ ، بل قد يَصِلُ بقائلِهِ إلى الكفرِ ، والصَّوابُ أنْ  تُضبطَ هذهِ القاعدةُ بالمسائلِ الخفيةِ التي لا يستوي فيها علمُ العامَّةِ والخَاصِّة ...

♻️و مَسَائِلُ التَّكفيرِ تتعلقُ بأمرينِ : 

▪️الأولِ : المسائلُ الظاهرةُ ، و هي مسائلُ الشِّركِ و نواقضِ الإسلامِ المُجْمَعِ على التكفيرِ بها ، ويلحقُ بها ما كانَ مَعلوماً من الدِّينِ بالضَّرورةِ ...

▪️و الثاني : المسائلُ الخفيةُ  ، فكلُّ مَنْ وقعَ في المسائلِ الظاهرةِ أو ما كانَ معلوماً من الدِّينِ بالضرورةِ ، فهذا يكفرُ قولاً واحداً ، و لا تنسحبُ عليهِ قاعدةُ ثبوتِ الشروطِ و انتفاءِ الموانعِ ، و إنَّما تنسحبُ على مَنْ وقعَ في المسائلِ الخفيةِ ...

♻️و هذا التفريقُ بِناءً على ثبوتِ الفرقِ بينَ مسائلِ الشريعةِ ، و تقسيمها إلى ظاهرةٍ و خفيةٍ ، وقد وردَ هذا في كلامِ طائفةٍ من أهلِ العلمِ و هذه بعضُ النَّقولاتِ ..

🔴قال الشافعي في الرسالةِ ص 357 : العلمُ علمانِ : علمُ عامَّةٍ : لا يَسَعُ بالِغاً غيرَ مغلوبٍ على عقْلِه جَهْلُهُ ، مثلُ : الصَّلَوَاتِ الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهْر رمضانَ، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، و زكاةً في أموالهم، وأنه حرَّمَ عليهم الزِّنا والقتْل والسَّرِقة والخمْر، وما كان في معنى هذا،مِمَّا كُلِّفَ العِبادُ أنْ يَعْقِلوه ويعْملوه ويُعْطُوه مِن أنفسهم وأموالهم، وأن يَكُفُّوا عنه ما حرَّمَ عليهم منه ، وهذا الصِّنْف كلُّه مِن العلم موجود نَصًّا في كتاب الله، وموْجوداً عامًّا عنْد أهلِ الإسلام، ينقله عَوَامُّهم عن مَن مضى من عوامِّهم، يَحْكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم،وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر، ولا التأويلُ ، ولا يجوز فيه التنازعُ .أهــ...

🔴قالَ ابنُ تيميةَ في مجموع الفتاوى جـ 4 ص 54 : وهذا إذا كانَ في المقالاتِ الخفيةِ فقد يُقالُ إنَّه فيها مُخْطِئٌ ضالٌ لم تَقُمْ عليهِ الحُجَّةُ التي يَكفُرُ صاحبُها ، لكنَّ ذلكَ يقعُ  في طوائفَ منهم في الأمورِ الظَّاهرةِ التي تَعلمُ العامَّةُ والخاصَّةُ أنَّها من دينِ المسلمينَ ، بل اليهودُ والنَّصارى يعلمونَ أنَّ مُحَمَّداًـ صلى الله عليه وسلم ـ بُعِثَ بها ، وكَفَّرَ  مُخَالِفِهَا ،  مثلُ أمرِهِ بعبادةِ اللهِ وحدَه لا شريك له ، ونهيُهُ عن عبادةِ أحدٍ سوى اللهِ من الملائكةِ والنَّبيينَ والشَّمسَ والقمرَ والكواكبَ والأصنامَ وغيرَ ذلكَ ، فإنَّ هذا أظهرُ شعائرِ الإسلامِ ، ثمَّ قال : ثمَّ تَجِدُ كثيراً من رؤسائِهم وقعوا في هذِهِ الأمورِ فكانوا مرتدين" أهـ المجموع ...

🔴و قالَ الشيخُ عبد العزيز آل عبد اللطيف في تحشيتِهِ على كشف الشبهات : ظنَّ بعضُهم أنَّ الشَّيخَ ـ محمدَ بنِ عبدِ الوهَّابِ ـ لا يَعذرُ بالجهلِ مطلقاً ،  وقابلهم فريقٌ آخرُ فادَّعوا أن الشَّيخَ يرى الإعذارَ بالجهلِ مطلقاً ، واحتجوا بقولِ الشَّيخِ في إحدى رسائلِه : وأمَّا مَا ذَكرَ الأعداءُ عنى أنَّى أُكَفِّرُ بالموالاةِ أو أُكَفِّرُ الجاهلَ الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتانٌ عظيمٌ " .

♻️ولكي يزولُ الإشكالُ بين هذه العباراتِ ويتسنَّى الجمعُ بينها ، فيمكن أن يُقالَ : إنَّ الشَّخصَ يُعذرُ بالجهلِ في المسائلِ الخفيةِ ، دونَ المسائلِ الظاهرةِ الجليةِ ، كما حقق ذلك الشَّيخُ المصنف ⏪ بقوله: إنَّ الشَّخصَ المُعَيَّنَ إذا قالَ ما يُوجِبُ الكُفرَ ، فإنَّه لا يُحكَمُ بكفرِهِ حتى تقومَ عليه الحُجَّةُ التي يَكفرُ تاركُها ،وهذا في المسائلِ الخفيةِ التي قد يَخفي دليلُها على بعض النَّاس ، وأمَّا ما يقعُ منهم في المسائلِ الظاهرةِ الجليةِ ، أو مَا يُعلمُ من الدِّينِ بالضرورةِ ، فهذا لا يُتوقَّفُ في كفرِ قائلِهِ ، اهـ [  الدرر السنية ج8 - ص244 ] .

♻️ويقول أيضا : إنَّ الذى لم تقم عليه الحجةُ هو الذى حديثُ عهدٍ بالإسلامِ ، والذى نشأ بباديةٍ ، أو يكونُ ذلك في مسألةٍ خفيةٍ مثل الصرفِ والعطفِ ، فلا يَكفُرْ حتى يُعرّف ، وأمَّا أصولُ الدينِ التي أوضحها اللهُ في كتابِهِ فإنَّ حجةَ اللهِ هي القرآنُ ، فمن بلغه فقد بلغته الحجة " اهـ [ مؤلفات الشيخ ج3 ص12 ] .

♻️وجوابٌ آخر : وهو أن يُقال : إنَّ الشَّخصَ لا يُعذرُ بالجهلِ إذا كان مُفرطاً ومُقصراً في التَّعَلُّمِ ، فكلُّ جهلٍ يُمكِنُ للمُكَلفِ دفعُهُ لا يكونُ حجةً للجاهلِ ، وأمَّا مَنْ كانَ عاجزاً فلم يُقَصِّرْ أو يُفَرِّطْ ، فإنَّه يُعذرُ بالجهلِ حتى تقومَ عليه الحُجَّةُ ، كَمَنْ أسْلَمَ حَديثاً "  [ تعليقات على كشف الشبهات ص34 – 36 ....

♻️و يَتَّضِحُ بهذِهِ النَّقولاتِ أنَّ التَّفريقَ بينَ المسائلِ الخفيةِ والمسائلِ الظاهرةِ  يكادُ يكونُ مُجمعاً عليهِ ، و يظهرُ أثرُ هذا التفريقَ في مسألةِ العُذرِ بالجهل ، و سأكتفي بهذهِ النقولاتِ و مَنْ رامَ التوسُّعَ فليرجعْ إلى كتبِ العلماءِ ...

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة