(١٩) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...



💠ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...

🔻مَتى نَحْكُمُ لِشَخْصٍ بالإِسلامِ ؟ 

⏪الجَوَابُ :
مَنْ تَلَفَّظَ بالشَّهَادَتَينِ وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُمَا ، ولم يَرْتَكِبْ نَاقِضاً مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلامِ ، حَكَمْنا بإسلامِهِ ،وَ لَهُ مَا لَنَا وَعليهِ مَا عَلينَا وأمْرُهُ إلى رَبِّهِ في الآخِرَةِ .. 

♻️كُلُّ مَنْ أَظهَرَ الشَّهَادَتَينِ وَعَمِلَ بِمُقْتَضاهُما وَ لَم يَأْتِ بِنِاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإسْلَامِ ، فَهَذا هُوَ المُسْلِمُ الذي يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ ، وَنَكِلُ أَمْرَهُ إلى اللهِ تَعَالى في الآخِرِةِ ، ولا نَشْتَرِطُ فوقَ ذلِكَ شَيْئَاً مِمَّا يَشْتَرِطُهُ غُلَاةُ التَّكْفِيرِ ...

♻️و حُجَّتُنا في ذلِكَ قولُ اللهِ تَعَالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَة} النساء:94  ...

🔴قَالَ القُرْطُبِيُّ : وهذِهِ الآيةُ نزلَتْ في قومٍ من المسلمينَ مَرُّوا في سَفَرِهِم برجلٍ معه جَمَلٌ وغنيمةٌ يبيعُها ، فَسَلَّمَ على القومِ وقالَ : لا إلَهَ إلاَّ اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ ؛ فَحَمَلَ عليهِ أحدُهُم فقتلَه ، فلمَّا ذُكِرَ ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم شَقَّ عليهِ ونزلت الآية .أهــ.

♻️فأنْكَرَ رسولُ اللهِ ــ صلى الله عليه وسلَّم ـ قَتْلَ الرَّجُلِ ، لأنَّه اعتصَمَ بِعِصامِ الإسلامِ المانعِ من قتلِهِ ، و لذلك قال اللهُ مُنكِراً عليهم " وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ  السَّلَامَ لَسْتَ  مُؤْمِنًا " أي : لا تَنْفُوا عنه الإيمانَ الظاهرَ و لا تكفروه ، لأنَّه نطقَ بلا إله إلا اللهُ ، و لذلك قالَ القرطبي : والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله ؛ فإن قال : لا إله إلا الله لم يجز قتله ؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله : فإن قتله بعد ذلك قُتِلَ بهِ .أ هـ...
فَدّلَّتْ الآيةُ على أنَّ مَنْ أظهر كلمةَ التوحيدِ ، فإنَّه يكونُ مسلماً بذلِكَ و يُعْصَمُ دمُهُ و مالُهُ ، و لذلك دفعَ رسولُ اللهِ ــ صلى الله عليه وسلم ــ ديَّةَ الرَّجُلِ ورد غنمه ...

🔴قَالَ ابنُ تيميةَ مُعلقاً على هذهِ الآيةِ : ولا خِلافَ بينَ المُسلمينَ أنَّ الحَربيَّ إذا أسلَمَ عندَ رؤيةِ السَّيفِ ، وهو مُطْلَقٌ أو مُقَيَّدٌ ،.يَصِحُّ إسلامُهُ ، وتُقْبَلُ توبتُهُ من الكُفْرِ ، وإنْ كانَتْ دلالةُ الحالِ تقتضي أنَّ باطنَهُ خلافُ
ظاهرِهِ ... أ هـــ  الصارم السلول على شاتم الرسول ص 299 ...
ـ
♻️يعني : يَصِحُّ إسلامُ الكافرِ الحربيِّ بمُجَرَّدِ التلفظِ بالشهادتينِ ، و إن كانَ  فراراً من القتل ، و لذلك قال البيضاويُّ : وفي الآيةِ دليلٌ على صحةِ إيمانِ المُكْرَهِ  . أ هـــ ..
فَمَنْ نطقَ بكلمةِ التَّوحيدِ حكمنا بإسلامهِ و إنْ قالها خوفاً من القتلِ ...

🔴قالَ الطاهِر بن عاشور في التحريرِ والتنويرِ مُعَلقاً على هذهِ الآيةِ : فَقَتْلُ مَنْ أظهرَ الإسلامَ مَنْهيٌ عنه ، ولو كانَ قَصْدُ القاتلِ الحرصَ علي تَحَقُّقِ أنْ وَصْفَ الإيمانِ ثابتٌ للمقتولِ ، فاٍنَّ هذا التَّحَقُّقَ غيرُ مُرَادٍ للشريعةِ ، وقد نَاطَتْ الشريعةُ الإسلامَ بقولِ لااٍلهَ الإَّ الله محمدٍ رسولِ اللهِ أ هـــ ....

♻️فالواجبُ علينا أنْ نُجْريَ الأحكامَ في الدنيا علي ظاهرِ الحالِ لأنَّنَا لا نعلمُ ما في قلوبِ الخلقِ ، ثمَّ اللهُ يتولَّى سرائرَ العبادِ في الآخرةِ ....

♻️قال ابنُ جريرٍ مُعَلقاً على الآيةِ :
وقد اسْتُدِلَّ بهذهِ الآيةِ علي أنَّ مَنْ قَتَلَ كافراً بعدَ أنْ قالَ لاإله إلا الله ، قُتِلَ بهِ , لأنَّه قد عُصِمَ بهذهِ الكلمة دمُهُ ومالُهُ وأهلُهُ أهـــ...

♻️و نَستَدلُ على ذلك أيضاً بقولهِ ـ صلى الله عليه وسلم ــ : أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا لا إلَهَ إلاَّ اللهُ ، فمن قالَ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ ، فقد عَصَمَ مِنِّي نفسَهُ ، إلا بحقِّها وحسابُه على اللهِ " رواه البخاري وغيره ....

🔴قالَ ابنُ حجرَ في فتحِ الباري ج12ص293 نقلاً عن الخطابي : في الحديثِ أنْ مَنْ أظهرَ الإسلامَ أُجْرِيَتْ عليه أحكامُهُ الظاهرةُ ، ولو أَسَرَّ الكفرَ في نفسِ الأمرِ ،  ومَحَلُّ الخلافِ إنَّما هو فيمَنْ اطُّلِعَ على معتقدِهِ الفاسدِ فأظهرَ الرجوعَ ، هل يُقبلُ منه أَوْلا ، وأمَّا مَنْ جُهِلَ أمرُهُ ،  فلا خلافَ في إجراءِ الأحكامِ الظاهرةِ عليهِ أهـ ..

🔴قالَ البغويُّ في شَرْحِ السُّنَّةِ ج1ص70 : وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ أمورَ النَّاسِ في معاملةِ بعضِهم بعضاً إنَّما تَجري على الظاهرِ من أحوالِهم دونَ باطنِها وأنَّ مَن أظهَر شِعَارَ الدِّينِ أُجْرِيَ عليهِ حُكْمُهُ ... أ هــــ ...

♻️وعن أنسٍ قالَ  : كانَ رسولُ اللهِ يُغِيرُ ( يعني : الإغارةُ على الكفار وغزوهم )  إذا طَلَعَ الفجرُ ، وكان يَسْتَمِعُ الآذانَ ، فإنْ سَمِعَ أذاناً أمْسَكَ ، وإلاَّ أغَارَ  .. رواه مسلمٌ ..

🔴قال النووي في شرحِ مسلم : وفي الحديث دليلٌ علي أنَّ الآذانَ يمنعُ الإِغارةَ علي أهلِ ذلك الموضعِ  ، وفيه دليلٌ علي إسلامِهم ، وفيه أنَّ النُّطقَ بالشَّهادتينِ يكونُ إسلاماً ... جـ 4 صــــ84 ...
ـ
♻️وبهذا يتَبَيَّنُ لنا أنَّ وصفَ الإسلامِ يثبُتُ بالتلفظِ بالشهادتينِ ، فمَنْ أظهرَ ذلكَ حكما بإسلامِهِ ..

🔴قالَ ابنُ تيميةَ :  وأجمعَ المسلمونَ علي أنَّ الكافرَ إذا أرادَ أنْ يُسلِمَ يُكتفي منه بالإقرار بالشهادتين ،  وقالوا : إنَّما نَجتزئُ منه بذلكَ لإجراءِ أحكامِ الإسلامِ عليهِ ، فإنَّ صاحبَ الشَّرعِ جعلَ ذلك أَمَاَرةً لإجراءِ الأحكامِ ..أ هـ ... ج4 ص :90 من درء تعارض العقل والنقل....

🔴قال ابن القيم في مدارج السالكين ج3 ص410 : وأجمعَ المسلمونَ علي أنَّ الكافرَ إذا قالَ لاإلهَ إلاَّ اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ ، فقد دخل في الإسلام أهـــ.

♻️ثمَّ تأتي المسألةُ : هل الإقرارُ بالشَّهادتينِ يثبُتُ بهِ وصفُ الإسلامِ على جهةِ الدَّوامِ ؟ ⏪الجوابُ : لا, إنّما الإقرارُ بالشهادتينِ يكفي في ثبوتِ وصفِ الإسلامِ ابتدآءً ، ثمَّ بعدها لابُدَّ أنْ يلتزمَ بِمُقْتَضى ذلكَ الإقرارِ ، و ألاَّ يرتكبَ ناقضاً من نواقضِ الإسلامِ ، فإنْ تركَ جِنسَ العمل بالشرائعِ تركاً كُلياً ، أو ارتكبَ ناقضاً مُجمعاً على التكفيرِ بهِ ، نقولُ : لا تنفُعُهُ الشَّهَادَتَانِ ، و لا تَعصِمُ دمَهُ ولامَالَه ، و نَحْكمُ بردَّتِهِ عن الإسلامِ ...

♻️و لذلكَ العلماءُ يذكرونَ كتابَ الردَّةِ و أحكامَ المُرْتَدِّ ، و المُرْتَدُّ هو الذي كَفَرَ بعدَ إسلامِهِ ، وهذا يذكرُهُ الحنفيةُ و الشافعيةُ و المالكيةُ و الحنابلة ...

🔴قالَ البخاريُّ :  بابُ: قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ : ثمَّ ذكرَ الحديثَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي
مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ" ...

🔴قالَ الحافظُ في الفتحِ جـ 12ص 275 : وفيه : منعُ قتلِ مَنْ قالَ لا إلهَ إلاَّ اللهُ ،ولو لم يَزِدْ عليها وهو كذلك ، لَكِنْ هل يَصيرُ لمجرد ذلك مُسلماً ؟ الراجح لا، بل يجبُ الكَفُّ عن قتلِهِ حتى يُختبرَ، فإنْ شَهِدَ بالرسالةِ والتزمَ أحكامَ الإسلامِ ؛ حُكِمَ بإسلامِهِ، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناءِ بقوله( إلاَّ بحقِّ الإسلامِ ) أهـــ ...

♻️فَصَرَّحَ الحافظُ أنْ مجرَّدَ الإقرارِ لا يَصيرُ بهِ مُسلماً ، يعني : على الدَّوامِ ، و إنَّما يُشترطُ التزامُ أحكامِ الإسلامِ حتى يَثْبُتَ وصفُ الإسلام ...

🔴قالَ الإمامُ محمدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ في مختصرِ السيرةِ ص 21 و ما بعدها : وَصُورَةُ الرّدّةِ أَنّ الْعَرَبَ افْتَرَقَتْ فِي رِدّتِهَا ، فَطَائِفَةٌ رَجَعَتْ إلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ  وَقَالُوا : لَوْ كَانَ نَبِيّا لَمَا مَاتَ ، وَفِرْقَةٌ قَالَتْ نُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَلَا نُصَلّي ، وَطَائِفَةٌ أَقَرّوا بِالْإِسْلَامِ وَصَلّوْا ، وَلَكِنْ مَنَعُوا الزّكَاةَ ، وَطَائِفَةٌ شَهِدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ ، وَلَكِنْ صَدّقُوا مُسَيْلِمَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أشْرَكَهُ مَعَهُ النّبُوّةَ .... أهــــ ....

♻️هنا يحكي الإمامُ ـ رحمه الله ـ كيف وقعَ النَّاسُ في الردَّةِ فذكرَ أصنافَهم ، و لو كانَ الإقرارُ بلا إله إلاَّ اللهُ مانعاً من تكفيرِهم ، لما كَفَّرهم الصَّحابةُ ،و لمَا قَاتلوهم واستَباحُوا
دِمَائَهُم ، فَدَلَّ ذلكَ على أنَّ التَّلَفُظَ بالشهادتينِ ، لا يَثبُتُ بِهِ وصفُ الإسلامِ إلاَّ بتركِ الكفرِ والشِّركِ ...

🔴قالَ الإمامُ المُجَدِّدُ في نفس الموضعِ : وَلَمْ يَشُكّ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ فِي كُفْرِ مَنْ ذَكَرْنَا ، وَوُجُوبِ قِتَالِهِمْ إلّا مَانِعَ الزّكَاةِ ، وَلَمّا عَزَمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى قِتَالِهِمْ ، قِيلَ لَهُ كَيْفَ نُقَاتِلُهُمْ ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ : أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلّا اللّهُ . فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلّا بِحَقّهَا ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنّ الزّكَاةَ مِنْ حَقّهَا ، وَاَللّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدّونَهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعِهِ .أهــ ...

♻️فانظرْ رحمكَ اللهُ كيف قال الإمامُ : ( وَلَمْ يَشُكّ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ فِي كُفْرِ مَنْ ذَكَرْنَا ، وَوُجُوبِ قِتَالِهِمْ ) ما شَكَّ الصحابةُ في كفرِهم لماذا ؟ لأنَّه بالإجماعِ من امتنعَ عن العمل بشرائعِ الإسلامِ صارَ كافراً ، و من وقعَ في الشِّركِ صار كافراً ، ولا ينفعُه الإقرارُ بلا إله إلاَّ اللهُ ، حينئذٍ نقولُ : من أقرَّ بالشَّهادتينِ حكمنا بإسلامِهِ ابتداءً ، ثمَّ إنْ امتنعَ عن العملِ بشرائعِ الإسلامِ امتناعاً كلياً ، أو تلبسَّ بالشركِ أو الكفرِ ، حكمنا بكفرِهِ ....

🔴و قد ذكرَ الإمامُ الكاسَاني في كتابِه : بدائعُ الصنائعِ و ترتيبُ الشرائعِ ، ذكرَ طُرَقَ الحكمِ على النَّاسِ بالإسلامِ ، فذكرَ ثلاثةَ طُرُقٍ وهي : النصُّ وهذا الأول ، و الثاني : الدلالةُ ، والثالث : التبعية ، و ما طرحتُه في هذا المقالِ ، هذا عند الكاساني يُسمَّى دلالةُ النَّصِ ، قال رحمه الله :" النَّصُّ هو أنْ يأتي بالشَّهادتينِ أو يأتيَ بهما مع التبري
 مما هو عليه صريحا"......

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة