(٢٠) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...


💠ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...

🔻مجهولُ الحالِ ...

▪️مِنْ أظْهَرَ شعائرَ الإسلامِ حَكَمْنا بإسْلامِهِ و لا نبحثُ عن باطنِهِ ...

♻️مَنْ أظهرَ شعائرَ الإسلامِ حكمنا بإسلامِهِ و لانبحثُ عَنْ مُعتقدِهِ و باطنِهِ ، و هذا خلافاً لما يشترطُه غلاةُ التكفيرِ في هذا البابِ ، فإنَّهم لا يحكمونَ بإسلامِ الرَّجلِ إلاَّ بعدَ معرفةِ معتقدِهِ ، و يُسمَّونه مجهولَ الحالِ ، و مجهولُ الحالِ عندهم هو المسلمُ الذي لم يرتكبْ ناقضاً من نواقضِ الإسلامِ ، إلاَّ أنَّه لم يُصَرِّحْ - أمامهم – بالكفرِ بالطَّاغوتِ وتكفيرِ المُشركينَ ....

♻️و منشأُ الغلطِ في هذا البابِ من جهةِ عدمِ التفريقِ بين مسألتينِ :
مسألةِ الإسلامِ الحُكْمي ، و مسألةِ الإسلامِ الحقيقي ، فإنَّ الخلطَ بين هذينِ البابينِ يؤدي إلى التَّوقفِ في الحُكمِ بإسلامِ الشَّخصِ حتى يُصَرِّحَ عندهم بالكفرِ بالطاغوتِ و تكفيرِ المُشركينَ ، وهذه بدعةُ التوقُّفِ و التَّبَيُّنِ ...

♻️والإسلامُ الحُكْمي هو الإسلامُ الظاهرُ ، وهو ما جعله اللهُ علامَةً ظاهرةً  بينَ النَّاس على إسلامِ العبدِ ،فمَنْ ظهرَتْ منه هذهِ الأمارةُ فهو المسلمُ في الظَّاهرِ ، ويَتَعَاملُ معاملةَ المُسلمينَ في الميراثِ والزواجِ والصلاةِ عليه وسائرِ أحكامِ المسلمينَ ، ما لم يَظهرْ منه مايُبطلُ هذا الإسلامَ الظاهرَ ..

🔴قال ابنُ تيمية في المجموعِ جــ 26 ص 31 : لكِنْ لمَّا كانَ غالبُ المسلمينَ يُولَدُ بين أبوينِ مسلمينِ ، يَصيرونَ مسلمينَ إسلاماً حُكْمياً ، من غيرِ أنْ يُوجدَ منهم إيمانٌ بالفعلِ ، ثمَّ إذا بلغوا فمنهم مَنْ يُرزقُ الإيمانَ الفِعْلي فيؤدي الفرائضَ ومنهم مَنْ يَفعلُ ما يفعلُه بحكمِ العادةِ المحضةِ والمُتابعةِ لأقاربِهِ وأهلِ بلدِهِ ونحو ذلك ..أ هــــ...

♻️فالشَّاهدُ هنا هو قولُ شيخِ الإسلامِ : ( يصيرونَ مسلمينَ إسلاماً حُكْمياً ) إذنْ : هُناكَ إسلامٌ حُكْميٌ ، و هو الإسلامُ الظاهرُ ، وهذا له طرقٌ يَثبُتُ بها ، و منها : التَّبَعيةُ للوالدينِ المُسلِمَيْنِ ، فمَنْ يُولدُ بين أبوينِ مُسلمينِ حكمنا بإسلامِهِ ...

🔴و قال أيضاً في جـ 26 ص 34 :
فغالبُ النَّاسِ إسلامُهم حُكْمي ، وإنَّما يدخلُ في قلوبِهم في أثناء الأمرِ إنْ دخلَ ، فإنْ لم تُوجَبْ عليهم النيةُ لم يَقصدوها فتخلوا قلوبُهم منها فيصيرون منافقين ، إنَّما يعملون الأعمالَ عادةً و متابعةً كما هو الواقع في كثير من الناس .. أ هـــــ ..

♻️حينئذٍ نقولُ : هناك إسلامٌ حُكْمي عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ ، يبنونَ عليهِ أحكامَ الإسلامِ الظاهرةِ في الدنيا ، ولا يبحثونَ في بواطنِ العبادِ ...

🔴قالَ البُخاري في الصَّحيحِ :
كتابِ الإيمانِ : باب : إذا لَمْ يَكُنْ الإسلامُ على الحقيقةِ وكانَ على الاستسلامِ أو الخوفِ من القتلِ ..

🔴قالَ ابنُ رجبَ الحنبلي في فتحِ الباري جــ 1 ص 125 : معنى هذا الكلامَ أنَّ الإسلامَ يُطلقُ باعتبارينِ :
أحدُهما: باعتبارِ الإسلامِ الحقيقي و هو دينُ الإسلامِ الذي قال اللهُ فيهِ " إنَّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ " و قوله " ومن يبتغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يقبلَ منه" ..

▪️والثاني : باعتبارِ الاستسلامِ ظاهراً مع عدمِ إسلامِ الباطنِ ، إذا وقعَ خوفاً كإسلامِ المنافقينَ ، واستدَلًّ بقولهِ تعالى : " قالت الأعرابُ آمنَّا . قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " الآيات أهـ .

♻️والشَّاهدُ هنا هو تفريقُ ابنُ رجبَ بين الإسلامِ الحقيقي و بين الإسلامِ الظاهرِ ، وهذا قولُ عامةِ السَّلفِ لا يختلفونَ في هذه القسمةِ الثُنائيةِ ، إسلامٌ حقيقيٌ و إسلامٌ حُكْميٌ ...

🔳إذن : الإسلامُ على نوعينِ :

▫️أحدِهما : إسلامٌ حُكْميٌ ظاهرٌ ، بهِ تَجرى أحكامُ الإسلامِ الظاهرةِ في الدنيا , وبه يُعصمُ الدَّمُ والمالُ ، و بهِ يقومُ التَّوارثُ و التناكحُ بينَ المسلمينَ و سائرُ أحكامِ الدنيا ..

▫️والنَّوعُ الثاني : إسلامٌ حقيقيٌ ، و هو موافقةُ الظاهرِ للباطن .

♻️إذا تقرَّرَ لدينا هذا الأصلُ⏪ نقولُ : بما يثبتُ هذا الإسلامُ الظاهرُ ؟ ما هي العلاماتُ التي من أظهرها حكمنا بإسلامِهِ ظاهراً ، و فوَضْنا أمرَهُ إلى اللهِ في باطنهِ ؟ و الجوابُ : مَنْ وُلِدَ لأبوينِ مسلمينِ ، أو شَهِدَ له أحدٌ بالإسلامِ ، أو قال: إنِّي مسلمٌ ، أونَطقَ بالشَّهادتينِ ، أو أتى بشيءٍ من خصائصِ الإسلامِ ، حَكَمْنا له بالإسلامِ ظاهراً ، و أمرُهُ إلى اللهِ في الآخرةِ ...

🔴قالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية في درءِ التعارض جــ 8 ص 14 : وهنا مسائلُ تكلَّمَ الفقهاءُ فيها ،  فَمَنْ صَلَّى ولم يَتَكَلَّم بالشَّهادتينِ ، أوأتَى بغيرِ ذلكَ من خصائصِ الإسلامِ ولم يَتَكَلَّم بهما ، والصَّحيحُ أنَّه يصيرُ مسلماً بكلِّ ما هو مِنْ خصائصِ الإسلامِ . أهــ ...

🔴قال ابنُ مفلح في الفروع جــ 6 ص 168 : وفي الخلافِ في إسلامِ الكافرِ بالصلاةِ ، ثَبَتَ أنَّ للسِّيما حُكْمَاً في الأصولِ ، لأنَّا لو رأينا رجلاً عليه زِنَّارٌ أوعسليّ ( شعار اليهود ) حَكَمْنا بكفره ظاهراً .أهــ .

♻️فكُلُّ ما هو من خصائصِ الإسلامِ الظاهرةِ كالشَّهادتينِ أوالصَّلاةِ أو الصيامِ أو الحجِّ ، مَنْ أظهرَهُ فهو مسلمٌ ظاهراً ، وهذهِ عندَ العلماءْ تُسمَّى : السِّيما ، يعني : الدلالةُ الظاهرةُ ،فكما نَستدِلُّ على الكافرِ بالسِّيما ، فكذلك نستدِلُّ على المسلمِ بالسِّيما ، وهذه مَحَلُّ وِفاقٍ بينَ أهل العلم ...

♻️وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ : " أمرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا اله إلا الله ، فمن قال لا اله إلا الله ، فقد عصمَ مني نفسَه إلا بحقها وحسابُه على الله" رواه البخاري وغيره ..

🔴قال ابن حجر في فتح الباري ج12ص293 نقلاً الخطابي : في الحديثِ أنَّ مَنْ أظهر الإسلامَ أُجريَتْ عليه أحكامُه الظاهرةُ ولو أَسَرَّ الكفرَ في نفس الأمرِ ، ومحلُ الخلافِ إنَّما هو فيمن اطُلِعَ على معتقدِهِ الفاسدِ فأظهرَ الرجوعَ ، هل يُقبلُ منه أولا ؟  وأما مَن جُهِلَ أمرُه فلا خلافَ في إجراء الأحكام الظاهرة عليه أهـ ...

♻️فانظرْ رحمكَ اللهُ إلى قول الخّطَّابي : (مَنْ أظهر الإسلامَ أُجريَتْ عليه أحكامُه الظاهرةُ ولو أَسَرَّ الكفرَ ) لأنَّ دلالةَ الظاهرِ معتبرةٌ عندَ أهل السُّنَّةِ في  ثبوتِ وصف الإسلامِ ،ثمَّ انظر إلى قوله (ولو أَسَرَّ الكفرَ ) هذا يدلُّ على ماذا؟ نقولُ :
يدلُّ على عدمِ إشتراطِ معرفةِ معتقدِ العبدِ للحكمِ بإسلامِهِ ، بل متى أظهرَ الإسلامَ قبلناه ، فإنْ ظهرَ منه ما يهدمُ هذا الإسلامَ الظاهرَ كفرناهُ ولا كرامةَ ، ثمَّ قال الخطابي : (وأما مَن جُهِلَ أمرُه فلا خلافَ في إجراء الأحكام الظاهرة عليه ) ، هنا حكمَ بإسلامِ مَنْ ؟ الجوابُ : حكمَ بإسلامِ مجهولِ المعتقدِ ، وهو مجهولُ الحالِ عند الغلاةِ ...

🔴وقال ابن حجر في ج1ص97 : 
في الحديثِ دليلٌ على قبولِ الأعمالِ الظاهرةِ والحكمِ بما يقتضيه الظاهرُ أ هـ 

🔴قال البغوي في شرح السنة ج1ص70 : وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ أمورَ النَّاسِ في معاملةِ بعضِهم بعضاً إنَّما تَجري على الظاهرِ من أحوالِهم دونَ باطنِها وأنَّ مَنْ أظهرَ شِعَارَ الدِّينِ أُجري عليه حكمُهُ ولم يُكْشَفْ على باطنِ أمرِهِ أ هـ ...
ـ ماذا قالَ البغويُّ هنا ؟ قالَ : (مَنْ أظهرَ شِعَارَ الدِّينِ أُجري عليه حكمُهُ ) ، لأنَّ شعائرَ الإسلامِ دليلٌ عليهَ ، فمَنْ أظهرَها حُكِمَ بإسلامِهِ ، ثمّ قالَ : (ولم يُكْشَفْ على باطنِ أمرِهِ ) ، هذا يدلُّ على ماذا ؟ نقولُ : يدلُّ على فسادِ قولِ مَنْ يشترطُ معرفةَ معتقدِ العبدِ ليحكم بإسلامِهِ ، حينئذٍ صرَّحَ إمَامَانِ من أئمةِ السُّنَّةِ و الجَمَاعَةِ بصحةِ إسلامِ ما يُسمِّيهِ الغلاةُ مجهولَ الحالِ ، وهو عندنا
 معلومُ الحالِ ...

♻️عن أنسٍ  : قالَ رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلمَ ـ : مَنْ صَلَّى صلاتَنَا واستقبلَ قبلتَنَا و أكلَ ذبيحتَنَا فذلك المسلمُ الذي له ذمةُ اللهِ وذمةُ رسولِهِ ، فلا تخفروا اللهَ في ذمتِهِ رواه البخاري ومسلم ...

🔴قال بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج4ص187: في الحديثِ أنَّ أمورَ النَّاسِ محمولةٌ على الظاهرِ دونَ باطنِها ، فمَنْ أظهرَ شعائر الدينِ أُجْرِيَتْ عليه أحكامُه مالم يَظهرْ خلافُ ذلك أهـ ... 

♻️وهذا نصٌ نبويٌ مُجْمَعٌ على صحتِهِ ، فيه التَّصْريحُ بإسلامِ مَنْ أظهرَ الشعائرَ ، ولم يَشترطْ رسول اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ  شيئاً زائداً على ذلك ، وهذا خلافاً لما يشترطُهُ الغلاةُ ...

🔴قالَ الإمامُ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ في كشفِ الشبهاتِ ص 22: فأمَّا حديثُ أسامةَ فإنَّه قتلَ رجلاً ادَّعى الإسلامَ بسببِ أنَّه ظنَّ أنَّه مَا ادَّعى الإسلامَ إلاَّ خوفاً على دمِهِ ومالِهِ ، والرَّجلُ إذا أظهرَ الإسلامَ وجبَ الكفُّ عنه حتى يتبينَ منه ما يُخالِفُ ذلكَ .. أ هـــ ...

♻️ومعنى كلام الشيخ أن من ادَّعى الإسلامَ ولم يُعلمْ منه خلافُ ذلك لا يُقتلُ ولا يُكَفَّرُ ، لذلك الذي نجزمُ بهِ أنَّ الإمامَ لم يشترط معرفةَ معتقدِ العبدِ للحكمِ بإسلامِهِ ، و هذا نقله عنه أبناؤه و أحفادُه و طلابُه ....

🔴قال إسحاق بن عبدالرحمن: "وأما مسألةُ ما ذُبِحَ في بلادِ المشركين، فهي تُبنى على استصحابِ الأصلِ الذي قررناه في المسألة الأولى، فمتى كانت البلاد بلاد كفر، وأحكام الكفر جاريةٌ عليها، أو المسلم فيها قليل، فإن الأصل المنع من ذبائحها، إلا في دار كان الأغلب فيها أهل الإسلام، والولاية لهم، أما إذا عُرِفَ أنَّ الذابحِ بعينه مسلمٌ فلا كلام ، أو أن الذابح يهودي كما في مصر وأشباهها، فكذلك حلال"اهـ (الدرر السنية 7/485) ....

♻️هنا قال : (أو المسلم فيها قليل) ، فكيف حكم لهم بالإسلام ؟ مع أنَّ الدارَ دارُ كفرٍ، لذلك قلنا: إنَّ مَنْ أتى بشيءٍ من خصائصِ الإسلامِ ، فهو المسلمُ في أي زمانٍ، ومكانٍ، وإنَّنا نحكمُ بالإسلامِ  لمن أظهره ، ولم يرتكبْ ناقضاً من نواقضِ الإسلامِ ،و لو كان يقيمُ في بلادِ الكفرِ، كبلادنا التي نعيش فيها ...
..الكلام لم ينته في المسألة ...

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة