(٢٢) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...
💠ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...
🔺أَحْكَامُ الدِّيَارِ و سَاكِنيها ...
♻️المَقصودُ بالدَّارِ في كلامِ الفقهاءِ هو المدِينَةُ أو البلدةُ أو الإقليمُ ، الذي يسكنُه مجموعةُ من النَّاسِ ، هذِهِ الدَّارُ لها وصفٌ في الشَّريعةِ مِنْ حيثُ الوصفُ العامُّ ،و المرادُ بالوصفِ أي الاسمُ : فكما أنَّ الشَّريعةَ جَعَلَتْ للنَّاسِ أوصافاً و أسماءً ،فقالَتْ : مسلمٌ ومؤمنٌ و مُحسنٌ و مُشركٌ و كافرٌ ومُنافقٌ ، و رَتَّبَتْ على ذلِكَ أحكاماً و شرائِعَ ، فكذلكَ الدَّارُ ، لها اسمٌ و وصفٌ ينبني عليه أحكامٌ و شرائعُ .
♻️و اسمُ الدَّارِ لا يخرجُ عن اثنين :
إمَّا دارُ كفرٍ و إمَّا دارُ إسلامٍ ، و تحتَ كلِّ مُسمَّىً أحكامٌ تتعلَّقُ بهِ ، وهل ثَمَّةَ نوعٌ ثالثٌ من الدِّيارِ ؟ أمَّا عندَ الجمهورِ فلا ،و أمَّا عند شيخِ الإسلامِ ابن تيميةَ فنعم ، و هي الدَّارُ المُرَكَّبَةُ من الوصفينِ ، و هذا بِنَاءً على فتواهُ في أهل ماردينَ و سيأتي فيها بحثٌ مستقل ...
♻️ونحنُ في مقالِنا هذا نريدُ أنْ نُبَيِّنَ مَعنى دارِ الإسلامِ و دارِ الكفرِ ، و ما ينبني على ذلكَ من أحكامٍ و شرائعَ ..
♻️ثمَّ تأتي المسألةُ الأُولَى : ما هو المَناطُ الذي ينبني عليه الحُكْمُ في تحديدِ مُسَمَّى الدَّارِ ؟ و المرادُ بذلكَ : العِلَّةُ المؤثرةُ التي يَنبني عليها الحكْمُ ، بحيثُ إنْ وُجِدَتْ قلنا : هذِهِ دارُ إسلامٍ ، و إنْ انتفتْ قلنا : هذِهِ دارُ كفرٍ ، ⏪حينئذٍ نقولُ : ثمَّةَ علةٌ معتبرةٌ ، و وصفٌ مؤثرٌ ، ينبني عليه تحديدُ مُسمَّى الدَّارِ ، ما هي هذِهِ العلَّةُ التي ينبني عليها تحديدُ
مُسمَّى الدَّارِ ؟ ⏪الجوابُ : جمهورُ الفقهاءِ يرى أنَّ العلَّةَ هي : غلبةُ الأحكامِ ، فإذا غلبَتْ أحكامُ المُسلمينَ ، وصارَتْ شرائعُهم ظاهرةً ، يرجعُ إليها النَّاسُ في الخصوماتِ ،
في الأموالِ و الفروجِ و الدِّماءِ ، قالوا : هذِهِ دارُ إسلامٍ ، و أمَّا إنْ غلبَتْ أحكامُ الكفرِ ، وصارَتْ حاكمةً بينَ النَّاسِ في الخصوماتِ ، قالوا : هذِهِ دارُ كفرٍ ...
🔴قال الإمامُ السَّرَخْسي في المبسوطِ في الفقه الحنفي جـ 10 ص 114 : و عن أبي يوسفَ و محمد رحمهما الله تعالى : إذا أظهروا الشِّركَ ( يعني : أحكامه ) ، فقد صارت دارُهم دارَ حربٍ ، لأنَّ البقعةَ تُنسبُ إلينا أو إليهم باعتبارِ القوةِ والغلبةِ . أ هــ.
♻️و معنى ذلك : أنَّ الدَّارَ تُنسبُ للإسلامِ أو الكفرِ باعتبارِ تطبيقِ الأحكامِ ، فمتى غلبَ الكفارُ و طبَّقوا أحكامَهم ، فإنَّ الدَّارَ تُنسبُ إليهم ، و نسمَّيها دارَ كفرٍ ،و كذلكَ متى غلبَ المسلمونَ و طبَّقوا أحكامَهم فإنَّ الدَّارَ تُنسبُ إليهم ...
🔴و قالَ الإمامُ الجَصًّاصُ في مختصرِ شرحِ الطَّحاوي جــ 8 ص 84 : إنَّ حكمَ الدَّارِ إنَّما يتعلَّقُ بالظهورِ و الغلبةِ و إجراْءِ حكمِ الدِّينِ ، و الدليلُ على ذلك أنَّا متى غلبنا على دارِ الحربِ ، و أجرينا فيها أحكامَنا صارت دارَ إسلامٍ أهـــــ..
♻️هذا المَلْحظُ لم يَتَفَرَّدُ بهِ الحنفيةُ وحدهم ، بل قال الإمامُ مالكُ كما في المدَوَّنةِ الكبرى جـــ 3 ص 23 :
كانَتْ مكةُ دارَ حربٍ ، لأنَّ أحكامَ الجاهليةِ كانَتْ ظاهرةً يومئذٍ .. أ هــــ
🔺إذن : الدَّارُ تُنْسبُ للغالبِ ، الذي يُجري أحكامَه ويملك الأمرَ و النَّهيَ ..
🔴و جاء في المعتمدِ في أصولِ الدِّينِ للقاضي أبي يَعْلَى الحنبلي جـ 276 : و كلُّ دارٍ كانَتْ الغلبةُ فيها لأحكامِ الإسلامِ دونَ أحكامِ الكفرِ ، فهي دارُ إسلامٍ ، و كلُّ دارٍ كانَتْ الغلبةُ فيها لأحكامِ الكفرِ دونَ أحكامِ الإسلامِ ، فهي دارُ كفرٍ ، و إنَّ الدَّارَ لا تخلو من أنْ تكونَ دارَ كفرٍ أو دارَ إسلامٍ .أ هـــ ..
♻️و هذا أيضاً قرَّرَهُ مَنصورُ البُهُوتي في كشف القناعِ جــ 3 ص 43 : ودارُ الحربِ ما يَغْلبُ فيها حكمُ الكفرِ . أ هـــ ..
♻️و في أحكامِ أهلِ الذمَّةِ لابن القيِّمِ جــ 1 ص 366 : قال الجمهورُ : دارُ الإسلامِ هي التي نزلها المسلمونَ ، وجَرَتْ عليها أحكامُ الإسلامِ ،و مالم تَجْرِ عليها أحكامُ الإسلامِ ، لم يَكُنْ دارَ إسلامٍ . أ هـــ .
🔺إذن : الوصفُ المُعتَبَرُ في تحديدِ مُسَمَّى الدَّارِ هو : غلبةُ الأحكامِ ، و هذا الوصفُ يوُجدُ المُسَمَّى بوجودِهِ و ينعدمُ بعدمِهِ ..
♻️و بعضُ العلماءِ يرى أنَّ العلةَ في تحديدِ مُسَمَّى الدَّارِ ليسَتْ هي غلبةُ الأحكامِ ، وإنّما وصفٌ آخرُ ، مثلُ الأمنِ و الخوفِ ، أو ظهورِ الشَّعائرِ ،أو غلبةِ الوصفِ الديني للسكانِ ،
لكنَّ المُعتبرَ هو مذهبُ الجمهورِ و لذلك اقتصرنا عليه ...
♻️ثمَّ تأتي المسألةُ الثانيةُ الملاصقةُ للمسألةِ الأولى وهي : هل حكمُ الدَّارِ ينسحبُ على السُّكانِ و الشُّعوبِ ؟
✅الجوابُ : لا، و الدَّليلُ ما رواه البخاري في الصَّحيحِ أنَّ رسولَ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلمَ ـ أمَّرَ رجلاً من الأنصارِ على خيبرَ أ.هــ.
♻️فصارَتْ خيبرُ دارَ إسلامٍ بغلبةِ الإسلامِ و أحكامِهِ عليها ، ولم يكنْ فيها مسلمٌ واحدٌ ، هذِهِ مقدِّمةٌ مختصرةٌ نذكرها للدِّخولِ في مسألةِ أحكامِ الدِّارِ و ساكنيها، و الله المستعان..
#أبو_زياد_النحوي
تعليقات
إرسال تعليق