(٢٣) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...



💠 ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...

🔺دَارُ الإسْلَامِ و دَارُ الكُفرِ ...

♻️المَقالُ السَّابقُ كانَ يدورُ حولَ مسألةٍ واحدةٍ وهي :

▪️بيانُ العِلَّةِ أو الوصفِ المؤثرِ ، الذي من خلالِهِ يتمُّ تحديدُ مُسمَّى الدَّارِ ، وهي بنظري المتواضعِ من المُهمَّاتِ الكبارِ في هذا البابِ ، لماذا ؟

♻️نقولُ : لأنَّه لابُدَّ من ضابطٍ و أساسٍ و ميزانٍ نبني عليهِ مسائلَ الشَّريعةِ ، يكونُ مِعْياراً نزنُ بهِ الأمورَ ، حينئذٍ لا نضْطَّربُ و لا نَضِلُّ .. 

♻️وقلنا إنَّ العِلَّةَ المُعتبرةَ في تحديدِ مُسمَّى الدَّارِ هي : ظهورُ الكلمةِ وغلبةُ الأحكامِ ، فالدَّارُ للغالبِ الذي يأمرُ وينهى و يحكمُ بما يشاء ..

♻️و العلماءُ قسَّموا الدِّيارَ إلى قسمينِ : دارِ الكفرِ و دارِ الإسلامِ ، و هذا يكادُ يكونَ إجماعاً ، حينئذٍ نقولُ : لا نزاعَ في هذِهِ القسمةِ الثنائيةِ ، إنَّما النزاعُ في ماذا ؟ 

✅الجوابُ : في صفةِ دارِ الكفرِ و صفةِ دارِ الإسلامِ , يعني : في العِلَةِ المؤثرةِ التي من خلالِها يتمُّ تحديدُ مُسمَّى الدَّارِ ، هذا هو محلُ النزاعِ ...

♻️وجمهورُ العلماءِ على أنَّ العِلَّةَ هي غلبةُ الأحكامِ , و هذا هو الأقربُ و الأظهرُ لموافقتِهِ لظاهرِ الأدلةِ و سيأتي بيانُ ذلكَ ....

🔴و يرى بعضُ العلماءِ أنَّ العِلَّةَ هي : 

♻️ظهورُ الشَّعَائرِ والعباداتِ ، فإذا كانَتْ شعائرُ الإسلامِ ظاهرةً ، كالمساجدِ و الآذانِ و الصَّلواتِ وغيرها ، فإنَّ الدَّارَ هنا دارُ إسلامٍ ، و أمَّا إنْ ظهرتْ شعائرُ الكفرِ فالدَّارُ دارُ كفرٍ ...

♻️و لذلك لمَّا سُئِلَ أحد المشايخ : بالنسبةِ لحدِّ دارِ الإسلامِ و حدِّ دارِ الكفرِ ؟ قال الشيخ : دارُ الإسلامِ هي التي تُقامُ فيها شعائرُ الإسلامِ بقطعِ النظر عن حكامِها ، حتى لو تولى عليها رجلٌ كافرٌ و هي مما يظهر به شعائر الإسلام فهي دار إسلام ، يؤذن فيها يقام فيها الصلاة تقام فيها الجمع يقوم فيها الأعياد الشرعية و الصوم و الحج وما أشبه ذلك هذه ديار إسلام ، حتى لو كان حكامها كفاراً ...انتهي كلامه ..

🔺إذن : هذِهِ الفتوى لاحَظَ فيها الشَّيخُ عِلَّةَ ظهورِ الشعائرِ من عدمِهِ ، وهذا مذهبُ طائفةٍ من أهلِ العلمِ ، و إنْ كنَّا لا نوافقُ على ذلكَ ، لكنَّ القولَ له أساسٌ قامَ عليهِ ..

♻️و الذي يجبُ على طالبِ العلمِ ، هو إدراكُ الأُسسِ و القواعدِ التي يبني عليها أهلُ العلمِ أقوالَهم ، لأنَّكَ قد تُنكِرُ قولاً له أساسٌ وضابطٌ و قوةٌ ، وأنتَ تجهلُ ذلك ..

🔴ولذلك قال أبو حنيفةَ ـ رحمه الله ـ :  " لا يَحِّلُّ لأحدٍ أنْ يقولَ بقولِنا ، حتَّى يعلمَ من أينَ قلناه " فمُجَرَّدُ النَّقلِ عن العلماءِ ليس علماً ، بل هذا احتطابٌ بليلٍ ..

♻️و الدَّليلُ على اعتبارِ غلبةِ الأحكامِ في تحديدِ مُسمَّى الدَّارِ قولُه تعالى : {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا} الأعراف 88 ..

♻️فنُسِبَتْ الدَّارُ في الآيةِ للغالبِ ، و هم الملأ من قومِ شعيبَ ، أي : أصحابُ السلطانِ و الأمرِ و النَّهي ، الذينَ يفرضونَ أحكامَهم على مَنْ تحتَ أيديهم من العامَّةِ ...
و قولُه تعالى : {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} الأعراف 145..

🔺فنَصَّتْ الآيةُ على تسميةِ الدَّارِ باسمِ مَنْ غلبَ عليها من أهلِ الفسقِ ..

♻️و قولُه تعالى {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ} الأعراف 82 ..

♻️وهي قريةُ قومُ لوطٍ ، حيثُ نُسِبَتْ إلى أهلِها من أهلِ الفجور و الفواحشِ ..

♻️حينئذٍ نقولُ : تُنسبُ الدَّارُ لمَنْ يغلبُ على أهلِها و يُجري عليهم حكمَه ..

♻️و كانَتْ مكَّةُ دارَ كفرٍ و شركٍ ،  و لما فتحَها المسلمونَ و غلبوا عليها و أجْروا فيها أحكامَهم ، صارَتْ دارَ إسلامٍ ، و هذا نصَّ عليهِ ابن القيِّمِ في أحكامِ أهلِ الذِّمةِ فقالَ : دارُ الإسلامِ هي التي نزلها المسلمونَ ،وجَرَتْ عليها أحكامُ الإسلامِ ، و مالم تَجْرِ عليها أحكامُ الإسلامِ ، لم يَكُنْ دارَ إسلامٍ . أ هــ ج 1ص 366 ..

♻️وهذا المَقالُ ليس تكراراً لما سبق ، بل تكملةٌ و زيادةُ إيضاحٍ لأصل المسألةِ ، حتَّى نُدركَ الأصلَ الذي نسيرُ عليه في هذا البابِ ، وأقولُ : المهمةُ التي أكتبُ لأجلِها هذهِ المقالاتِ ليست هي القصُّ واللزقُ ، بل أحاولُ أنْ أقفَ على بعضِ مناطاتِ و عللِ الأحكامِ في هذِهِ الأبوابِ ، التي يستغلُّها الغلاةُ في نشرِ بدعِهم وضلالِهم ، ثمَّ نوجِّهُ هذِهِ العِللَ في ضبطِ معتقدِنا و بيانِ بُطلانِ ما ذهبوا إليهِ ، عصمنا اللهُ من الضلالِ ...

#أبو_زياد_النحوي

تعليقات

المشاركات الشائعة