(٢٤) أَصْلُ الدِّينِ وضَوابطُ التكفيرِ ...
💠ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...
🔺أحكامُ الدِّيارِ و ساكنيها ...
🔘دَارُ الإسلامِ و دَارُ الكفرِ ...
♻️المسألةُ الأولى التي تَقَرَّرَتْ معنا في بابِ أحكامِ الدِّيارِ هي : أنَّ تحديدَ مُسمَّى الدارِ ينبني على علةٍ ظاهرةٍ و وصفٍ مؤثرٍ ، هذِهِ العلةُ يُوجَدُ المُسمَّى بوجودِها و ينعدمُ بعدمِها ، و جمهورُ العلماءِ على أنَّ العلةَ هي غلبةُ الأحكامِ و ظهورُ الكلمةِ ، فمتى غلبَتْ أحكامُ الإسلامِ و ظهرَتْ كلمةُ المسلمينَ ، حكموا بأنَّ الدَّارَ دارُ إسلامٍ ، و متى غلبَتْ أحكامُ الكفرِ و ظهرتْ كلمةُ الكفارِ ، حكموا بأنَّ الدَّارَ دارُ كفرٍ ، وبهذا انقسمَتْ البلادُ و المدنُ و الأقاليمُ إلى ديارِ كفرٍ أو إسلامٍ ...
ـ
♻️تأتي المسألةُ الثانيةُ : هل حكمُ الدَّارِ ينسحبُ على سُكَّانِها ؟⏪ يعني : إذا قلنا : إنَّ البلدَ الفلانيَّ دارُ كفرٍ ، فهل نحكمُ لأهلِها بالكفرِ ؟ و إذا قلنا : إنَّها دارُ إسلامٍ ، فهل نحكمُ لأهلِها بالإسلامِ ؟ و⏪ الجوابُ أنْ نقولَ :
♻️إنَّه لا تلازمَ بين حكمِ الدَّارِ و حكمِ من يسكنُها ، وهذا من وجهينِ :
🔳الوجهِ الأوَّلِ : أنَّ العلماءَ عندما قسَّموا الدِّيارَ إلى دارِ كفرٍ ودارِ إسلامٍ ، كانَتْ العلةُ التي بنوا عليها هذِهِ القسمةَ هي : غلبةُ الأحكامِ ، فإذا غلبَتْ أحكامُ الكفرِ و ظهرتْ و تحاكمَ الخلقُ إليها ، فإنَّ الدّارَ تُنسبُ للكفارِ ، و هكذا لو غلبَتْ أحكامُ الإسلامِ ، فلمْ يلتفتْ أهلُ العلمِ في تحديدِ مُسمَّى الدَّارِ لمَنْ يسكُنها ، فعلمْنا بذلكَ أنَّه لا تلازم بينَ حكمِ الدّارِ و حكمِ من يسكنُها ، و لذلك قالَ الرافعي في شرحِ الوجيزِ جـ8 ص 14 : وليس من شرطِ دارِ الإسلامِ أنْ يكونَ فيها مسلمونَ ،
بل يُكْتَفى كونُها في يدِ الإمامِ و إسلامِهِ . أ هــــ .، فلذلكَ حكمُ الدَّارِ لا ينسحبُ على الأفرادِ بإجماعِ العلماءِ ..
🔳و الوجهِ الثاني : باستقراءِ واقعِ النُّبُوةِ و واقعِ المسلمينَ و فيهِ :
▫️ أولاً : أنَّ مكةَ كانَتْ دارَ كفرٍ وشركٍ ، وكانَ يسكنُها رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلمَ ـ و أصحابُه الكرامُ ، و كانَتْ الغلبةُ للمشركينَ ، و كانَتْ أحكامُهم جاريةً و كلمتُهم ظاهرةً ، فهل يلزمُ من ذلك أنْ ينسحبَ حكمُ الدَّارِ ، وهي دارُ كفرٍ على ساكنِها ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ بالقطعِ لا ، فإنَّ مَنْ يقولُ بذلكَ أكفرُ من إبليسَ اللعينَ ، و كذلكَ لا ينسحبُ على الصَّحابةِ الكرامِ ، و مَنْ قالَ إنَّ هذهِ خصوصيةٌ ، فنلزمُه بالدَّليلِ ...
▫️ثانياً : لما فتحَ المسلونَ خيبرَ في سنةِ سبعٍ للهجرةِ ، و كانَ يسكنُها اليهودُ و لا يُوجدُ فيها مسلمٌ واحدٌ ، و مع ذلكَ كانَتْ دارَ إسلامٍ بإجماعِ المسلمينَ ، و هذا تحقَّقَ بمجردِ فتحِها و علوِ كلمةِ الإسلامِ فيها و أحكامِهِ ، و ما قالَ أحدٌ بإسلامِ مَنْ فيها من اليهودِ ، لأنَّها صارَتْ إسلامٍ ، فقد روى البخاري في الصَّحِيحِ في كتابِ : المغازي ، بابِ : غزوةِ خيبرَ : و فيه أنَّه ــ صلى الله عليه وسلم ــ استعمل رجلاً من الأنصارِ على خيبرَ . أ هـــ .
وبقيَ اليهودُ في خيبرَ حتى طردهم ابنُ الخطَّابِ منها في خلافتِهِ ..
▫️ثالثاً : لمَّا سقطَتْ مصرُ في يدِ العُبيديينَ سنة 358 هــ ، و ظلَّتْ في حكمهم قرنينِ من الزمانِ ، و نشروا فيها كفرَهم وضلالَهم و شركَهم و رفضَهم وزندَقتَهم، واستَولَوا عليها وتغلَّبوا على الحكمِ فيها ، صارَتْ مصرُ دارَ كفرٍ وردةٍ ، و كانَ أهلُها على الإسلامِ ، و لم يحكمْ أحدٌ من العلماءِ بكفرِهم و ردَّتِهم ، لأنَّ حكمَ الدَّارِ لا ينسحبُ على الأفرادِ إجماعاً ..
▫️رابعاً : لمَّا دخلتْ الحملةُ الصليبيةُ الفرنسيةُ مصرَ ، بقيادةِ نابليون لعنه اللهُ ، سنةَ 1798 مـ ، استبدلَ الشريعةَ الإسلاميةَ بقانونٍ وضعيٍ ، و أنشأ محاكمَ القضايا في الإسكندريةِ ورشيدَ ودمياط ، وكانت تتكونُ من اثني عشرَ تاجرًا ،نصفُهم من المسلمينَ والنصفُ الآخر نصارى ، يرأسُهم قاضٍ نصراني، وجعل اختصاصَها النظرَ في المسائلِ التجاريةِ ومسائلِ المواريثِ ، هذا فضلًا عن إنشائِه محاكمِ الطوائفِ غيرِ الإسلاميةِ من النَّصارى واليهود ، فصارَتْ مصرُ باعتبارِ مذهبِ جمهورِ العلماءِ دارَ كفرٍ وردةٍ ، و لم يقلْ أحدٌ من العلماءِ بكفرِ أهلها ...
♻️و لو أردْنا ذكرَ وقائعِ التَّاريخِ التي تشهدُ لهذهِ المسألةِ ، فإنَّ هذا دونَه الأعمارُ ، فاستقراءُ واقعِ الأمةِ شاهدٌ لمسألتنا ..
♻️و أهلُ السُّنةِ لم يُعرَفْ عنهم القولُ بنسبةِ ساكني الدَّارِ لصفتِها من كفرٍ أو إسلامٍ ، إنَّما هذا قولُ الخوارجِ ،
🔴قالَ الإمامُ أبو الحسنِ الأشعري رحمه الله: وزعمت الأزارقةُ (أشد فرق الخوارج ) أنَّ مَنْ أقامَ في دارِ الكفرِ فهو كافرٌ، لا يسعُه إلا الخروج” .اهـ [مقالات الإسلاميين 1/ 88]... و هذا قولُ عامةِ فرقِ الخوارجِ ..
قناة أبي زياد النحوي العلمية:
♻️سأكتفي بهذِهِ الاستدلاتِ فهي كافيةٌ إنْ شاءَ الله و مُحْكَمَةٌ ، ٌ ، و نحنُ نريدُ أنْ نفهمَ لا أنْ ننقلَ ، لكنْ أحبُّ أنْ أذكرَ كلاماً لابنِ القيِّمِ و الإمامِ محمدِ في شأن هذهِ المسألةِ ،
⏪قال الإمام بن القيم رحمه الله :
“فالذين أسلموا وهاجروا قبل فتح مكة، لم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وبين نسائهم قطعا، مع اختلاف الدار ، ولو لم تكن الآثار متضافرة بذلك، لكان القياس يقتضي عدم التفريق باختلاف الدار .. (أحكام أهل الذمة 1/366، 367.) ..
🔴قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ( ما ذكره لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا بهتان الأعداء. ) ثم قال بعد رده على من يقول بأنه يشترط الهجرة إليه لثبوت وصف الإسلام: ( إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت، ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه. وكذلك من عبد الأوثان بعدما عرف أنها دين المشركين وزينه للناس، فهذا الذي أكفره. وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً ) ..... (مجموع مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب) القسم الخامس، الرسائل الشخصية، (ص/58).).
#أبو_زياد_النحوي
تعليقات
إرسال تعليق