(٢١) أَصْلُ الدِّينِ و ضَوابطُ التكفيرِ ...
💠ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ ...
🔺مجهولُ الحالِ ...
♻️ذكرتُ في المَقالِ السَّابقِ أنَّ مَنْ وُلِدَ لأبوينِ مسلمينِ ، أو شَهِدَ له أحدٌ بالإسلامِ ، أو قال: إنِّي مسلمٌ ، أو نَطقَ بالشَّهادتينِ ، أو أتى بشيءٍ من خصائصِ الإسلامِ ، حَكَمْنا له بالإسلامِ ظاهراً ، و أمرُهُ إلى اللهِ في الآخرةِ ...
♻️و لا نشترطُ في ذلكَ معرفةَ معتقدِهِ و لا أنْ يُصَرِّحَ لنا بالكفرِ بالطاغوتِ ، فإنَّ هذهِ قيودٌ زائدةٌ على الأصلِ ، ولو كانَ ثمَّةَ وجودٌ لها ، لنَصَّ عليها القرءانُ ، أو صَرَّحَ بها
صاحبُ الشَّريعةِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنَّ المقامَ هنا لا تَكِلُ فيه الشَّريعةُ الأمرَ إلى اجتهادِ النَّاسِ ، إذن لاضطربُ أمرُ الشَّريعةِ و فسدَ ...
♻️و الذين قالوا باشتراطِ معرفةِ معتقدِ العبدِ قبلَ الحُكْمِ بإسلامِهِ ، هم جماعةٌ تُسمَّى : التَّوقُّفُ والتَّبَيُّنُ ، أمَّا⏪ التَّوقفُ : فلأنَّهم يتوقفونَ في الحكمِ للنَّاسِ بالإسلامِ ، حتى يتبينوا ، و أمَّا ⏪التَّبَيُّنُ : فلأنَّهم يَشترطونَ معرفةَ معتقدِ العبدِ ، فإذا قامَتْ البَيِّنةُ على إسلامِهِ ، قالوا : مسلمٌ , و لاشَكَّ في فسادِ شرطِهم ..
♻️كيف دخلَ عليهم الدَّاخلُ فقالوا بهذِهِ البدعةِ ؟⏪ نقولُ : لأنّهم خلطوا بينَ مقامينِ ، بينَ مقامِ الإسلامِ النَّافعِ ، و مقامِ الإسلامِ الحُكْمي ،و قد وضَّحْتُ هذهِ المسألةَ في المقالِ الذي سبقَ بما يكفي ..
♻️و كذلكَ اشتراطُهم أنْ يجهرَ العبدُ بتكفيرِ المُشركينَ و أنْ يُصَرِّحَ بهِ ، وهذا أفسدُ من خلطِهم بين الإسلامِ الحُكْمي والإسلامِ النَّافعِ ، و يكفينا في الردِّ عليهم قوله تعالى : {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} غافر: 28 ،فسمَّاه اللهُ تعالى ماذا ؟ سمَّاهُ مؤمناً ، هل جهرَ بإيمانِهِ ؟ الجوابُ : لا ، فعَلِمْنَا بذلكَ أنَّ الجهرَ والتَّصْرِيحَ بتكفيرِ المُشركينَ ليس شرطاً في صَحَّة ِالإسلامِ بنوعيهِ ، سواءٌ كانَ إسلاماً حُكْمياً أو حقيقياً ، هل الآيةُ خاصَّةٌ بمؤمنِ آل فرعونَ ؟ الجواب : لا , هل لها مُعَارِضٌ في كتابِ اللهِ يفسخُ دلالتَها على صِحَّةِ إيمانِ مِنْ كتمَ إيمانَه خوفاً أو لدرءِ مفسدةٍ ؟ ⏪الجواب : لا , حينئذٍ نقولُ : دلالةُ القرءانِ على صحةِ إيمانِ مَنْ لم يُصَرِّحْ بتكفيرِ المُشركينَ , هي دلالةٌ مُحْكَمَةٌ لا مُعارضَ لها ، بل هذا مَحَلُّ وِفاقٍ بينَ السَّلفِ ...
🔴قالَ القُرْطُبيُّ في تفسيرِ الآيةِ نقلاً عن القاضي أبي بكر بن العربي : ظنَّ بعضُهم أنَّ المُكَلَّفَ إذا كَتَمَ إيمانَه ، ولم يتلفظْ بهِ بلسانِهِ لا يكونُ مؤمناً باعتقادِه ، ثمَّ قال القاضي : وليس من شرطِ الإيمانِ أنْ يُسْمِعَهَ الغيرَ في صحتِهِ من التَّكليفِ ، وإنَّما يُشترطُ سَمَاعَ الغيرِ له ليَكُفَّ عن نفسِه ومالِهِ .أهـ.
▪️إذن لا يُشرطُ إسماعُ الغيرِ بالإيمانِ وهذا إجماعٌ بينَ السٍّلفِ ....
🔴وقال عبدالرحمن بن حسن:
"والمقصود: أنَّ نفيَ الأوثانِ الذي دَلَّتْ عليه كلمةُ الإخلاصِ ، يَحْصُلُ بتركها، والرغبةِ عنها، والبراءةِ منها، والكفرِ بها وبِمَنْ يَعبدُها، واعتزالِها واعتزالِ عابديها، وبغضِها وعداوتِها "اهـ (الدرر 11/269) ....
♻️فَبَيَّنَ هنا أنَّه لا يُشترطُ الجهرُ والتَّصريحُ بالكفرِ بالطاغوتِ ، لأنَّ هذا قدْرٌ زائدٌ ..
🔴وقال: "أجمعَ العلماءُ سلفاً وخلفاً، من الصحابةِ والتابعين والأئمةِ، وجميعُ أهلِ السنةِ ، أنَّ المرءَ لا يكونُ مسلماً إلا بالتَّجردِ من الشِّركِ الأكبرِ، والبراءةِ منه، ومِمَّنْ فعلَه، وبغضِهم ومعاداتِهم بِحَسْبِ الطاقةِ، والقدرةِ، وإخلاصِ الأعمالِ كلِها للهِ"اهـ (الدرر 11/545) ...
♻️فَبَيَّنَ هنا أنَّ البغضَ والمعاداةَ بحسب الطاقةِ ، فمن كان قادراً على الجهر فليفعل ،و إن عجزَ فهو كمؤمنِ آلِ فرعون ....
🔴قال ابنُ حزم في الفصل ج3 ص115 : مَنْ أعلنَ بلسانِهِ شهادةَ الإسلامِ فإنَّه عندَهم مسلمٌ محكومٌ له بحكمِ الإسلامِ ، والإجماعُ على الحكمِ بحكمِ الإيمانِ في الظاهرِ ولم نَقطعْ علي أنَّه عندَ الله مؤمنٌ أ هـ ..
♻️ونقلَ الإجماعَ جمعٌ من العلماءِ مثلُ النَّووي والخطَّابي وابنُ بطَّال وابنُ الصَّلاحِ وغيرُهم، على أنَّ العبدَ إذا نطق بالشهادتينِ صارَ مسلماً في الظاهرِ ، وما ذكرَ أحدٌ منهم اشتراطَ معرفةِ حالِهِ ، بل قالَ الخطّابي كما سبقَ و نقلناه عنه : ( مَنْ أظهر الإسلامَ أُجريَتْ عليه أحكامُه الظاهرةُ ولو أَسَرَّ الكفرَ ) وهذا لأنَّ الحُكْمَ مَنوطٌ بالظاهرِ ، وكذلكَ
قولُ البَغَويُّ مُقرراً هذا : ( مَنْ أظهرَ شِعَارَ الدِّينِ أُجري عليه حكمُهُ ولم يُكْشَفْ على باطنِ أمرِهِ ) أ هـ ...
♻️فقولُهُ : ( ولم يُكْشَفْ على باطنِ أمرِهِ ) هذا صريحٌ في صحةِ إسلامِ مَنْ أظهرَ الإسلامَ , وإنْ جهلنا معتقدَه ، فمجهولُ الحالِ عند الغلاةِ نحكمُ بإسلامِهِ ...
♻️حينئذٍ نقولُ : أهلُ السُّنَّةِ يحكمونَ بالإسلامِ لمَنْ أظهرَه ، و لا يشترطونَ أنْ يَعْرِفوا عقيدتَه و لا أنْ يُصَرِّحَ بالكفرِ بالطاغوتِ ، فإذا ظهرَ منه ما يهدم إسلامَه و ينقضُه ، حكموا بكفرِهِ ، إلاَّ أنْ يمنعَ من تكفيرِهِ مانعٌ معتبرٌ ...
🔴وأنا أنبُهُ إخواني في هذا المَقامِ إلى أمرٍ مُهمٍ وهو :
♻️أنَّ مُصطلحَ مجهولِ الحالِ و إنْ كانَ له وجودٌ في كلامِ العلماءِ كابنِ تيميةَ وابنِ قدامةَ و غيرهم ، وهذا لاننكره ، إلاَّ أنّنا عندَ التَّحقيقِ نجدُ أنَّه لا وجودَ له في أرضِ الواقعِ بهذهِ الصُّورةِ التي تجعلُ منه أصلاً مُختلفاً فيهِ ، لأنَّنا لو حكمنا بأنَّ الدارَ دارُ كفرٍ أصليةٍ ، مثل دولِ أوروربا ، فنحن نكفر ُأهلَ هذهِ الدّيارَ جملةً واحدةً ، ⏪فنقولُ : الأصلُ في هذهِ الشعوبِ الكفرُ ،إلاَّ مَنْ ظهرَتْ منه قرينةٌ قاطعةٌ على إسلامِهِ ، فليس فيهم إذن ما نجهلُ حالَه ، و لذلكَ نُجري عليهم أحكامَ الكُفارِ المُقررةِ في الشَّريعةِ ...
♻️و لو كانَتْ الدَّارُ دارَ إسلامٍ ، فنحنُ نطردُ الأصلَ العامَ طرداً كُلياً ، فنحكمُ بإسلامِ الجميعِ و هذا إجماعٌ لا نزاعَ فيه ..
♻️لكنْ يأتي الإشكالُ : ماذا لو كانَتْ الدَّارُ دارَ إسلامٍ ، ثمَّ طرأ عليها الكفرُ ، فَبَدَّلَتْ الشرائعَ ، هل نكفرُ أهلَ هذهِ الدِّارِ تبعاً لتكفيرِ من بَدَّلوا الشرائعَ ؟
✅الجوابُ : مَنْ قالَ : نعم فقد أخطأ ، ومَنْ قالَ : لا ، فقد أخطأ ,والصوابُ أنَّ الحكمَ هنا على هذِهِ الشُّعوبِ يقومُ على اعتبارِ الأكثريةِ ، فإذا كانَتْ الأكثريةُ تابعةً لمَنْ بدَّلوا الشرائعَ ، و أظهروا الكفرَ و شعائره , بحيثُ اندرسَتْ فيهم معالمُ الإسلامِ و خصائصُه ، فإنَّنا نسحبُ حكمَ الدَّارِ على هذهَ الشعوبِ و نُلْحِقُهم بمَنْ بدَّلوا الشرائعَ ،و إنْ كانَتْ الأكثريةُ تُظهرُ شعائرَ الإسلامَ و توجدُ المساجدُ ويُرفعُ الآذانُ ،فهنا نحكمُ بأنَّ الأصلَ في النّاسِ الإسلامَ ، وهذا هو الإسلامُ الحُكْمي ...
♻️فلذلكَ نقولُ : الضابطُ عندَ أهلِ السُّنَّةِ في مجهولِ الحالِ ، هذا إنْ سَلَّمنا بوجودهِ ،⏪ نقولُ : الضابطُ هو الأكثريةُ ، فنُعطيهِ حكمَ الأكثريةِ ...
🔴قال السَّرَخْسي في المبسوط - (3 / 76) : ألا ترى أنَّ مَنْ كانَ في دار الحربِ ، إذا لم يُعْرَف حالُه ، يُجعَلُ من أهلِ دارِ الحربِ ، بخلافِ مَنْ كانَ في دارِ الإسلامٍ ، فإنَّه يُجعلُ من المسلمين ، إذا لم يُعرفْ حالُه .. أهــــ..
🔴وجاء في أحكام القرآن للجصاص - (1 / 157) : (أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ يَتَعَلَّقُ بالْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ دُونِ الْأَخَصِّ الْأَقَلِّ حَتَّى صَارَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْظُورًا قَتْلُهُ ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنْ مُرْتَدٍّ وَمُلْحِدٍ وَحَرْبِيٍّ ؛ وَمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ مُسْلِمٍ) ا هـ...
♻️فانظرْ يا أخي في كلامِ السَّرْخسي و الجصاص ، وتأمله جيداً ، فهو شافٍ كافٍ لكلِ عاقلٍ ، هدانا اللهُ جميعاً ..
♻️حينئذٍ نقولُ : أينَ مجهولُ الحالِ ؟◀️ الجوابُ : لا وجودَ له ، و قولي بهذا هو قولٌ أغلبيٌ ، إذ قد يُوجدُ مجهولٌ لا نعرفُه كاللقيطِ في دارِ الإسلامِ ، على كلِّ حالٍ مجهولُ الحالِ عندَ الغلاةِ هو مجهولُ العقيدةِ ، و أمَّا الذي نجزمُ بهِ أنَّ الحكمَ يكونُ بظاهرِ الحالِ ، فَبِحسبِ ما يظهرُ من الشَّخصِ نحكمُ له ..
♻️وقد وردَ في كلامِ شيخِ الإسلامِ ما يدلُّ إسلامِ مجهولِ العقيدةِ و جوازِ الصًّلاةِ خلفه ، قالَ شَيخُ الإسلامِ بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى جـ 4 / 5ِ42 : وتجوزُ الصلاةُ خلفَ كُلِّ مسلمٍ مستورٍ باتفاقِ الائمةِ الأربعةِ وسائرِ أئمةِ المسلمينَ ، فَمَنْ قالَ : لا أُصَلّى جمعةً ولا جماعةً الا خلفَ مَنْ أعرفُ عقيدتَه فى الباطنِ ، فهذا مبتدعٌ مخالفٌ للصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسان وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم والله أعلم .أهــــ...
🔴هنا قال ابنُ تيمية : ( وتجوزُ الصلاةُ خلفَ كُلِّ مسلمٍ مستورٍ باتفاقِ الائمةِ الأربعةِ وسائرِ أئمةِ المسلمينَ ) وهذا وصفُ مجهولِ الحالِ عندَ الغلاةِ ، ثمَّ قال : (فَمَنْ قالَ : لا أُصَلّى جمعةً ولا جماعةً الا خلفَ مَنْ أعرفُ عقيدتَه فى الباطنِ ، فهذا مبتدعٌ ) ..أ ه..
♻️وكونُه مبتدعاً فلأنَّه اشترطَ شيئاً زائداً على الأصل ، فالأصل أنْ مَن أظهرَ الإسلامَ حُكِمَ له بهِ ، ولا نشترطُ معرفةَ عقيدتِه ، وقد حكى على ذلكَ شيخُ الإسلامِ إجماعَ المسلمين ..
♻️و نحتجُّ على إسلامِ مجهولِ الحالِ عندَ الغلاةِ بحديثِ ذي الخويصرةِ الذي اعترضَ على النَّبي في القسمةِ ، فقالَ خالدُ بنُ الوليدِ : ألا أضربُ عنقَه ؟ فقال رسول الله: لعلَّه أنْ يكونَ يُصلي ، قال خالدٌ : وكم من مُصَلٍّ يقولُ بلسانِهِ ما ليس في قلبه ، قال النَّبي : لم أُمَرْ أنْ أُنَقِّبَ عن قلوبِ النَّاسِ ولا بطونِهم .. رواه مسلم.
🔴قالَ ابنُ تيمية في الصارمِ المسلولِ ص 299 : فإنَّ النَّبي كانَ يقبلُ من المنافقينَ علانيَتَهم ويَكِلُ سرائرَهم إلى اللهِ أهـــ...
🔴وقال أيضاً في الصارمِ ص 322 : فأخبرَ رسولُ اللهِ أنَّه نُهي عن قتلِ من أظهرَ الإسلامَ من الشهادتينِ والصلاةِ ، وإن ذُكرَ بالنفاق ورُمي بهِ وظهرت عليه دلالتُه ، إذا لم يَثبتْ بحجةٍ شرعيةِ أنَّه أظهرَ الكفرَ .. أ هــــ...
🔴قالَ الإمامُ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّاب كما في تاريخ نجد لابن غنام ص263: ولكنْ مَنْ أظهرَ الإسلامَ وظنَّنا أنَّه أتى بناقضٍ لانكفرُه بالظنِّ ، لأنَّ اليقينَ لايرفعُه الظنُّ ، وكذلك لا نكفرُ مَنْ لا نَعرِفُ منه الكُفرَ بسبب ناقضٍ ذُكِرَ عنهونحن لم نتحققْه أهـــ ...
#أبو_زياد_النحوي
تعليقات
إرسال تعليق